• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    المكابرة تفتح باب الاحتمالات الخطيرة

    لم تشهد مصر منذ الانقلاب العسكري – الثورة الذي اطاح الملكية فيها عام 1952، سوى حكام ديكتاتوريين اذا جاز التعبير على هذا النحو. فالرئيس “الثائر” الراحل جمال عبد الناصر كان حاكماً مُطْلَقاً مارس السلطة بكل اشكالها، واستعان لتحقيق اهدافه بالاجهزة الامنية على تنوعها، وفي الوقت نفسه بثقة الجماهير المصرية به، وبـ”الكاريزما” التي كانت له، وبالانجازات الداخلية التي حققها لشعب مصر الفقير على الصعد الصحية والتعليمية والاقتصادية والحياتية، وبالدور الكبير الذي اعطاه لبلاده في العالم العربي والعالم الاسلامي والعالم الافريقي بل في العالم كله. لكن حكمه المطلق هذا تسبب بما سماه “النكسة” في الحرب امام اسرائيل عام 1967.

    ولا يخفف من مسؤولية حكم ناصر المُطلق هذا عن وقوع النكسة، العداء الذي واجهه به الغرب وحلفاؤه في المنطقة وخارجها ومعهم اسرائيل. اذ لو كانت الديموقراطية سائدة، ولو كانت المحاسبة والمساءلة ممارستين، ولو كانت حرية الشعب مصونة، ولو كان “مجلس الشعب” يراقب ويحاسب، ولو كانت الاحزاب موجودة للقيام بدورها الوطني، لما حصلت الاخطاء في الحسابات الداخلية والخارجية التي كانت من ابرز اسباب حرب الـ67 و”نكستها”، والتي بدأت رسم طريق النهاية لانقلاب – ثورة حققا الكثير وكان يُنتظر منهما تحقيق الاكثر. والرئيس “الماكر” الراحل ايضاً انور السادات الذي خلف عبد الناصر بعد انتقاله الى جوار ربه كان ايضاً حاكماً مطلقاً. اذ اعتمد على الاجهزة والعسكر للإطباق على السلطة. لكنه اعتمد وسائل اخرى تحقيقاً لأهدافه وأولها إزالة الوصاية الناصرية، القوية في حينه عليه. منها اعطاء التيارات والاحزاب الاسلامية حرية ولكن في صورة غير رسمية لمواجهة الناصرية بغية تعزيز حكمه وسلطته. ونجح في ذلك. ونقل مصر من عصر الحرب مع اسرائيل والمواجهة مع اميركا والغرب وحلفائهما في المنطقة الى مصر السلام والتحالف معهما. كما نقلها من عصر الاقتصاد الموجَّه في الدولة الى عصر الانفتاح الاقتصادي. فضلاً عن انه “اطلق” حرية تأليف الاحزاب بما فيها حزبه الخاص الذي لا يزال حاكماً ولكن بزعامة حاكم مطلق آخر. الا ان “انجازاته” هذه، اذا جازت تسميتها كذلك، لم تكن انجازات بالمعنى الفعلي. فالاسلاميون اخطأوا بالتحول ادوات، ولم يدركوا ان استعمالهم موقّت، وإن التضييق عليهم سيعود.

    لكن الذين ادركوا هذا الامر منهم انفصلوا وكوّنوا منظمات اسلامية مؤمنة بالعنف وسيلة للتغيير. وأول ما فعلته كان إنهاء حياة الرئيس السادات. والانفتاح الاقتصادي اعطى صورة بحبوحة مصرية. لكن هذه البحبوحة اقتصرت على نسبة قليلة جداً من المصريين في حين قبعت غالبيتهم في البؤس والاستغلال. كما خضعوا للفساد الذي كان بدأ يستشري، والذي كان مضبوطاً الى حد كبير اثناء الحكم الناصري. طبعاً لا يمكن انكار انجاز “حرب أوكتوبر” 1973 للسادات، او بالأحرى نجاحها في إثبات قدرة الشعب المصري على الحرب وعلى النجاح فيها. لكن تطوراتها لاحقاً العسكرية والديبلوماسية لم تكن مشجعة كثيراً رغم ان السادات استعاد كل الاراضي المصرية المحتلة. وهذا امر رحّب به المصريون، لكن ثمنه كان غالياً على مصر عربياً وعلى شعبها داخلياً. اما الرئيس الحالي محمد حسني مبارك فلم يختلف حكمه عن حكم سلفيه وخصوصاً السادات، سواء من حيث إطلاقيته، او من حيث فساده، او من حيث غضه الطرف عن مصالح غالبية شعبه، او من حيث إضعافه موقع مصر ودفعها الى التقوقع والانعزال والى العجز في مواجهة التحديات التي تواجهها ومعها العالم العربي، او من حيث انتهاك الحريات على نحو فاضح جداً، والسعي الجاد لتأسيس “سلالة فرعونية” حاكمة جديدة يتابعها نجله جمال، غير عارف ان الناس تغيّروا وتصلّبوا وتجرأوا واُحبطوا ويئسوا بحيث صاروا جاهزين للتحرُّك وإن انتحارياً بغية التخلص من الحاكم المطلق واطلاق نظام جديد يراعي حرياتهم والحقوق.

    انطلاقاً من ذلك كله تساءلتُ كما الكثيرون، عندما سمعتُ “الرسالة” الثانية لمبارك منذ اندلاع الانتفاضة بل الثورة عليه في 25 كانون الثاني الماضي ليل يوم الثلثاء الماضي، إذا كان رئيس مصر تعلّم فعلاً من الذي جرى، وإذا كان ادرك اخطاءه على مدى اكثر من 30 سنة، وإذا كان راغباً في تصحيحها او في فتح الطريق لتصحيحها. وجوابي عن تساؤلي كان سلبياً. فمبارك حاول “تمنين” شعبه بأنه “حارب” وحقق انجازات. وهذا واجبه إذا كان ذلك صحيحاً. وشيء كهذا لا يغطي انتهاكات او ارتكابات او السماح بها اذا حصلت لاحقاً في عهده، او إذا كان محيطه قائماً بها. ويذكِّر ذلك بقصة تفيد ان مخرجاً سينمائياً كان يبحث عن شخص يمثِّل دور السيد المسيح في فيلم له فوجده وأدى دوره باتقان. وبعد سنوات طويلة كان المخرج نفسه يبحث عن شخص يمثِّل قمة الاجرام والسوء في فيلم له، فوجده لكنه فوجىء بأنه الذي مثَّل من زمان دور يسوع “الناصري”. ومبارك قال انه لن يترشح لولاية جديدة لكنه لم يُقدِّم ضماناً لذلك. ولم يتحدث عن رفض توريث ابنه جمال على الاطلاق. وهذا امر يخشاه المصريون خشيتهم بقاء والده في السلطة. ومبارك دعا مجلس الشعب الى تعديل المادتين 76 و77 من الدستور. الاولى تحدِّد انتخاب الرئيس. والثانية، تحدِّد ولايته. لكن مجلس الشعب مُزوَّر باقتناع غالبية المصريين ولذلك فانه لا يصلح لمهمة كهذه. ولا يستعيد اي شرعية بوعد مبارك احترام الطعون النيابية التي ينظر فيها القضاء المصري اياً يكن عددها. إذ يمكن ان لا “يلبي” القضاء، وإن محترماً في مصر، كل الطعون. كما يمكن ان يوافق على قسم منها. لكن هل يقلب ذلك الموازين داخل مجلس الشعب؟

    ومبارك اتهم قوى سياسية بالتدخل في ما حصل وباستغلاله وتهديد الامن القومي. لكنه نسي ان القوى السياسية هذه بعضها جديد ويمثله الشباب والشيوخ، وإن بعضها قديم لكن شعبيته كبيرة. اما البعض الذي كان يراهن عليه لاضفاء مسحة ديموقراطية على حكمه فهو الذي حاول استغلال “التظاهرات”. علماً انه كان يعمل كشاهد زور لمصلحة مبارك، كما لمصلحة سلفه، طيلة سنوات حكمه الثلاثين.

    ومبارك دعا الى التحقيق في “الجرائم” التي حصلت والتي اتهم فيها المتظاهرين او بعضهم. والتحقيق مطلوب شرط ان يكون نزيهاً، وأن تقوم به جهات حيادية، لأن معظم من قام بالتعديات يشبهون الذين نزلوا الى الشارع في الانتخابات التشريعية الاخيرة لفرض فوز مرشحي السلطة فيها، أي “البلطجية” بحسب التعبير المصري.

    في اختصار لا بد من حل سريع لأزمة مصر الراهنة. وطريقته الوحيدة عدم الوقوع في “فخ الدم” والانتقال الهادئ والسلمي لكن الفوري للسلطة. واي مكابرة او عناد او اي إرجاء للأمر الاخير لا بد ان يحمل في طياته اخطاراً عدة، منها تحوَّل الثورة السلمية ثورة عنفية سواء بفعل الداخل او بفعل الخارج. ومنها ايضاً الافساح في المجال امام القوى المتطرفة داخلياً وخارجياً للتدخل بحيث تعطي الثورة اهدافاً اوسع بكثير من اهدافها الحالية ولا سيما على الصعيد الاقليمي. ومنها اخيراً تشجيع اصحاب الرتب المتوسطة والصغيرة في القوات المسلحة على التحرك بعيداً من أوامر القيادات العالية “الحكيمة” والعارفة بالتوازنات الدقيقة في الداخل ومع الخارج. وبذلك تخسر مصر جيشها، وتخسر سلمية شعبها، وتتحول “الرجل المريض” في المنطقة. ومنطقة من دون مصر لن تكون مثل منطقة مع دولة بحجم مصر.

    في النهاية قد يكون كل ذلك تنظيراً فالدم المصري سال بعد ظهر أمس وليله. وقد يستمر سيلانه. والجيش يتصرف كأنه “يونيفيل” يعمل في منطقة معينة وتالياً لا ينفذ المهمات المكلف بها.

    سركيس نعوم
    جريدة النهار
    03.02.2011

    Leave a Reply