• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    دروس ثورة يناير

    ثورة شباب مصر تكتسب أهمية وطنية وقومية وإقليمية لتبدأ تأريخا جديدا واعدا، وتصبح في مستوى ثورة يوليو الناصرية عام 1952. فتكون مصر بذلك قد قدمت للأمة العربية وللعالم الثالث مثالين ثوريين رائعين: ثورة يوليو 1952 وثورة يناير 2011.

    تتميز ثورة يناير عن سابقتها في 1952 وعن سائر الثورات (والانقلابات العسكرية التي سميت تجاوزا ثورات) بالاعتبارات الآتية:

    أولا: إنها حركة شبابية / شعبية قامت بمبادرة مجموعات من شباب المجتمع المدني، بدون قيادة حزبية أو عسكرية أو تنظيم جماهيري. وهذه “أولى” في العالم العربي، باستثناء شقيقتها الصغرى: ثورة الياسمين في تونس الشهر الماضي. وهذا الحدث الباهر ينقض مقولة أن لا ثورة بدون قيادة ملهمة أو حزب قائد.

    ثانيا: إنها تؤسس لقوة الشباب (Youth Power) كظاهرة ثورية شفافة وطاهرة وتقدمية التوجه، سوف تلعب الدور الأساس في مستقبل العالم العربي والشرق الأوسط.

    ثالثا: إنها حركة عابرة للطوائف والطبقات الاجتماعية والمجموعات القبلية والعشائرية، شعارها بسيط وواضح: “الخبز والحرية”. إنها تركز على الأساسيات في الحياة، (Basics) وتضع الحرية بمستوى الخبز في تأمين الحياة الكريمة والكرامة الإنسانية لكل مواطن.

    رابعا: إنها واضحة في مطالبها وحاسمة برفض المساومة وأنصاف الحلول. رمز الفساد والقهر هو رأس النظام، لذلك عليه أن يرحل. ولا مساومة على هذا المطلب مهما قدم النظام من تنازلات. وهنا تؤكد هذه الحركة الشبابية / الشعبية إخلاصها ونزاهتها والتزامها لتحقيق مطالب الشعب، دون مساومة أو تنازل.

    خامسا: استفاد شباب ثورة يناير من الانترنت (Facebook and Twitter) في التواصل والتنسيق والتنظيم، إلى أقصى الحدود وبشكل مذهل. وهذا ما مكن هؤلاء الشباب من التجمع والتحرك بسرعة وفاعلية مدهشة.

    سادسا: لا يبدو أن محاولات بعض التنظيمات الحزبية أو الشخصيات المرموقة لركوب الموجة وتزعم حركة الشباب سوف تنجح، لأنها قد تساوم على المطالب الأساسية وترضى بالتعاون مع النظام مقابل بعض المكاسب والتنازلات. وكيفما تطورت الأحداث، وهي متحركة باستمرار، فإن نقاء الثورة وطهارتها وعفويتها، سوف تطبع المرحلة السياسية المقبلة في مصر وسائر الأقطار العربية.

    سابعا: إن محاولات النظام لتشويه صورة الثورة بإخلاء الساحة “للبلطجية” وأصحاب السوابق من المساجين الذين أطلقوا من السجون، للنهب والسرقة والتخريب، لم يؤثر على مسيرة الثورة، بل حفز الشباب في أحياء المدن الكبيرة والبلدات والقرى إلى تشكيل مجموعات للحماية وتنظيم السير وردع المخربين.

    إن كرة الثلج التي “قذفتها” ثورة الياسمين المباركة في تونس وتلقفها شباب مصر الميامين سوف تتابع التدحرج بدينامية وقوة مهددة كل الأنظمة التي لا تؤمن الخبز والحرية والكرامة الإنسانية لشعوبها.

    إن تداعيات انتصار ثورة يناير في مصر لن تقتصر على الأقطار العربية وحدها، بل تتعداها إلى إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية والغرب عموما، وربما شملت أيضا دولا إقليمية كإيران وتركيا وسواها.

    بالنسبة لإسرائيل التي ترتبط بمعاهدة سلام مع مصر منذ ثلاثين سنة، سيترتب عليها أن تراجع حساباتها بمنتهى الحذر والتأني. فالتغيير السياسي في مصر قد ينتج عنه إلغاء لمعاهدة السلام، أو بالحد الأدنى، تجميد للعلاقات وإعادة نظر في مصيرها. إن مقاربة إسرائيل لهذا الخطر الجديد على حدودها الجنوبية، قد يفرض بالتالي مقاربة مختلفة على حدودها الشمالية ومع الضفة الغربية وغزة. وبالتالي، قد يفرض هذا التطور، إعادة نظر في إستراتيجية “حزب الله” و”حماس” تجاه إسرائيل.

    أما بالنسبة للأنظمة العربية، جمهورية كانت أم ملكية، “منتخبة” أو موروثة، فعليها أن تجري “فحص ضمير” موضوعي لأوضاعها وسلوكها ومعاملتها لشعوبها. هل هي تعبر عن أماني شعوبها بصدق وشفافية؟ هل توفر لهم الخبز والحرية والكرامة الإنسانية، أم تمارس عليهم القمع والتسلط وتمنعهم من حرية التعبير والتجمع والاحتجاج؟ هل تطلق الحريات العامة أم تمنع عن شعوبها حرية الانتظام في النقابات العمالية والأحزاب السياسية؟ هل تنتهج سياسات نابعة من مصالح شعوبها وتطلعاتهم، أم تعنى أولا وقبل أي شيء آخر بمصالح الولايات المتحدة وتتوجه بتوجيهاتها؟ هل يستمر بعض الحكام العرب في نهج “ازدواج الشخصية” فيقولون كلاما في العلن ويضمرون أفعالا مغايرة؟

    إن الدرس الأهم من دروس ثورة الشباب في مصر وتونس هو ان العامل الأساس في ضمان استمرارالسلطة للأنظمة السياسية القائمة، هو رضى الشعب، والشباب تخصيصا. فلا الارتباط ولا الاتكال على الولايات المتحدة او سواها من القوى الخارجية قادران على حماية الأنظمة الفاسدة والمتسلطة والقامعة لشعوبها. وأمامنا مثلان ماثلان للعيان: نظام زين العابدين في تونس، ونظام مبارك في مصر.

    كلمة أخيرة في الشأن اللبناني: إن الاعتقاد السائد أن ما يحول دون قيام ثورة اجتماعية شعبية في لبنان هو نظام الطوائف السائد قد لا يكون اعتقادا في محله، إذ أن ما جرى في مصر من اشتراك فعلي للأقباط في الحركة الشبابية، إلى جانب أخوانهم المسلمين، يشير إلى أن “قوة الشباب” باستخدامها المذهل للتكنولوجيا الحديثة، قادرة على القيام بحركة عابرة للطوائف، لتصحيح الأوضاع الاجتماعية لمصلحة الفئات المحرومة، وهي الأكثرية الساحقة من اللبنانين. انه كلام برسم الزعماء السياسيين والطائفيين، عسى أن يجد آذانا صاغية.

    رعى الله شعب مصر وشبابها المقدام، إن انتصارهم هو انتصار لكل العرب ولكل الأحرار في العالم. وتبقى مصر هي المثال، وهي القدوة، وهي الأمل وهي المستقبل… لشعبها ولكل العرب.

    عباس خلف
    جريدة النهار
    03.02.2011

    Leave a Reply