• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    نهضة مصر

    مصر تصنع التاريخ. لم تعد غضبة او انتفاضة او ثورة شعبية على رئيس أو حكم. صارت درسا عالميا تحتويه الكتب ويتوقف عنده المفكرون ويعتبره الباحثون مرجعا ويحفظه الطلاب من مختلف الشعوب والأمم، بصفته علامة بارزة من علامات القرن الحادي والعشرين، ومحطة رئيسية من محطات الأحداث البشرية الفاصلة التي لا تمحى من الذاكرة، والتي يمتد اثرها طويلا ويتسع ليشمل المعمورة كلها.

    مصر تكتب التاريخ، الذي طالما كانت تمثل احد اهم سجلاته وأهم آثاره. هي تجعل اليوم الاول من شباط العام 2011 منعطفا حاسما في التاريخ الانساني، يؤدي الى تغيير وجه السياسة والاجتماع والاقتصاد في جميع بلدان العالم من دون استثناء، التي تنظر اليوم الى وادي النيل، باعتباره منارة جديدة تنير طريق المصريين الى الحرية والعدالة وترسل أشعتها الى جميع شعوب العالم العربي والاسلامي والافريقي، التي تتطلع بإعجاب وذهول الى تلك الحشود المصرية المليونية، وتترقب مواعيدها للانضمام الى ذلك الاسلوب في التغيير، الذي كان حتى الامس القريب، يبدو ضربا من ضروب الخيال.

    المشهد وحده يستحق ان يحتل مكانة خاصة في الوعي الانساني. هو اكبر من ان ينسب الى صراع على الحكم بين جيلين من المصريين باعدت بينهما الظروف والاقدار، وأهم من ان يختصر بالرغبة الشعبية الجامحة في إطاحة حاكم فارغ، فاسد، وعنيد. ثمة ما يوحي بأن الشعوب لم تقتنع بأن التغيير يحدث فقط بالاعتماد على وسائل الاتصال الحديثة، التي لا تخدم إلا في زيادة الحشد. لا بد من العودة الى الوسائل التقليدية التي لن يعفو عنها الزمن، مهما طال، وسيظل الاجتماع في ميدان او ساحة عامة، والهتاف والشعار، هو السبيل الاجدى والأفعل… بعدما كانت الملايين لا تجتمع الا في حفل فني او مباراة رياضية او مناسبة دينية.

    الشعب المصري صار اليوم اقوى من اي وقت مضى. في لحظة احتشاده الهائلة، طوى جميع اسباب خلافه وفراقه الماضية، وقرر ان يكون شعبا بالمعنى الحرفي الدقيق والبليغ للكلمة، وأن يثبت مرة اخرى انه متقدم على جميع اشقائه العرب والمسلمين والافارقة، على جميع سكان الجنوب الفقير، الذي يكاد يستقر على الاذعان لسلطة الشمال باعتباره قدره النهائي، نتيجة تخلفه التكنولوجي والصناعي والعسكري، وخوفا من حملات الشماليين الجدد الذين يتوقون الى إحياء تجارب اسلافهم المستعمرين، ولو بأشكال اخرى.

    الشعب المصري قدم النموذج. أنظمة حكم عربية وإسلامية عديدة سقطت فعليا بالامس، او هي بدأت الاستعداد للحظة الزحف الشعبي على قصورها. ويمكن بسهولة احصاء اربعة او خمسة زعماء عرب على الاقل شرعوا في حزم حقائبهم وتحويل اموالهم الى الخارج. دول كثيرة من العالم الثالث، لن تتردد ولن تتأخر كثيرا في الاقتداء بالمصريين، وفي الاهتداء بالتجربة التي تعادل الثورة الفرنسية وتشبه الثورة الروسية وتنافس الثورة الايرانية، لكنها تشق لنفسها طريقا خاصا وتحمل اسما مختلفا.. وتبشر بقرن مصري وعربي وإسلامي افضل بما لا يقاس من القرن الماضي وما سبقه، وتنتقم لعصر النهضة المصرية التي اجهضتها المؤامرات الخارجية والمصادفات التاريخية.

    ساطع نور الدين
    جريدة السفير
    02.02.2011

    Leave a Reply