• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    لماذا نجح هتلر؟

    إن أفضل مثال على الحكم التوتاليتاري هي النازية. صعدت هذه الحركة انطلاقاً من نهاية الحرب العالمية الاولى (1918) حتى وصول الحزب الهتلري الى السلطة في العام 1931 وتم تشكيل ما سمّي آنذاك الرايخ الثالث. يظل السؤال المطروح: كيف أمكن الشعب الألماني أن ينتخب فكراً سياسياً على هذا القدر من التطرف وبالطرق الشرعية والديموقراطية؟

    حصل ذلك إثر هزيمة ألمانيا في نهاية الحرب وفقدان المَلَكية سلطتها وشرعيتها وقيام دستور فايمر (الديموقراطي المتطور على حقبته) وأيضاً توقيع معاهدة فرساي المهينة للشعب الألماني بحيث انتزعت منه أراضٍ وأجبر على دفع 132 مليار مارك كتعويض عن الحرب.

    تشكل الحزب النازي في العام 1918 وانتسب اليه هتلر في العام 1919 كمسؤول عن البروباغندا لأنه كان خطيباً مفوهاً. وكان حزباً معادياً للسامية وللشيوعية، قومياً ومناضلاً، هدفه تعديل بنى الرايخ الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية. أعلن نيته توحيد الأقليات الألمانية، وأشاع فكرة الخواف من اليهود ونية طردهم بقوة. عبّر بوضوح تام عن طموحه التوتاليتاري، كالرقابة على الصحف والتربية. انتسب بكثرة الى الحزب، كلٌّ من الطبقة الوسطى والفلاحين والحرفيين والتجار، في حين لم يتمثل العمال كثيراً بسبب قوة الافكار الاشتراكية والشيوعية بينهم. دعم هذا الحزب كان رد فعل ضد دستور فايمر ومعاهدة فرساي.

    البطالة والاقتصاد الليبيرلي المتوحش خدما الحزب، فشعرت الشبيبة المنتسبة إليه أنها جزء من طائفة واحدة، ما زاد من إحساسها بالقوة والسلطة. كان هتلر قرأ غوستاف لوبون في كتابه عن سيكولوجيا الحشود واستنتج انه يجب عدم محاججة الجماهير، إنما جذبها والقيام بالتأثير على أفكارها عبر خبطات مشهدية. تميز بخطبه الشغوفة الملتهبة وبرفضه النقاش وبتكرار المواضيع نفسها من دون ملل؛ كي تدخل جيداّ في الرؤوس. كانت البروباغندا السلاح الأهمّ في يد الحزب؛ فاستُخدمت الصحافة والاجتماعات والافلام الدعائية، وشكلت الـ SA وهي القوات الضاربة والميليشيا الموحدة اللباس، أدوات الدعاية الأساسية. نظّم الحزب نفسه على المستوى الوطني وفي كل منطقة وحيّ، مع قائد على رأس كل مجموعة. صارت قواته الضاربة أقوى وشنّت معارك في الشوارع ضد الخصوم لإرهابهم. بحث الحزب عن زبائنه لدى مختلف الطبقات الاجتماعية؛ فتكاثر عدد الأعضاء من 176.000 عام 1929 إلى 4 ملايين عام 1933. اشترى الحزب جريدة تعبّر عن رأيه رسمياً، وكان هتلر قد تمكن من السيطرة على الحزب بشكل تام. قام بانقلاب في العام 1932 في ميونيخ لكنه فشل. أعاد تنظيم حزبه من السجن ووضع كتابه “كفاحي” الذي يعدّ كتاب النازيين المقدس، شرح فيه ايديولوجيا الحزب وتكلم عن تفوق العرق الآري، وعن العداء للسامية وعن الشعور القومي. في فترة بين الحربين وعندما تحسنت أوضاع ألمانيا الاقتصادية، انخفض تمثيل الحزب في فترة 1923 و1924. لكن الأزمة الاقتصادية العالمية التي اجتاحت العالم في العام 1929 أثرت كثيراً على ألمانيا وازداد عدد العاطلين من 3 ملايين عام 1930 الى 6 ملايين عام 1932. طلب المحافظون والحزب النازي إجراء استفتاء ربحت فيه الحكومة لكنها لم تستطع تحسين الوضع، فتشكلت حكومة اخرى فشلت أيضاً. بلغ الاستياء الشعبي مداه، وعندما تقدم هتلر لرئاسة الجمهورية ضد هندنبرغ بالرغم من المعارضة القوية للمستشار الالماني بروننغ، جاءت نتائج الانتخابات مذهلة: حصل هتلر على 30,1 في المئة، أي أن شعبية الحزب زادت من 6,5 في المئة الى 11,5 في المئة. ولم يحصل هندنبرغ على الغالبية المطلقة فأعيدت الانتخابات في نيسان وزادت حصة هتلر الى 31,8 في المئة وحصل هندنبرغ على الغالبية المطلقة وصار رئيساً للجمهورية. لكن مفتاح نجاح هتلر لاحقاً في انتخابات حزيران وحصوله على 37 في المئة من الاصوات كانت البروباغندا. ارتحل هتلر من مدينة الى اخرى بالطائرة وخطب في الحشود معبئاً إياها. وعندما استتب الأمر له وأصبح رئيساً للجمهورية، بدأت ممارسات احتكار السلطة، فأصدر مرسوماً يسمح للحكومة بالتدخل في التظاهرات ومراقبة الصحف عندما “يتهدد أمن الرايخ”. واستخدمت هذه المراسيم لاختطاف المعارضين وخصوصاً الشيوعيين وتمت ازاحتهم من وظائفهم. ومن ثم ألغيت جميع الحريات التي كان دستور فايمر قد أدخلها (كان أول دستور ديموقراطي حقيقي)؛ فجرى اعتقال أعداد كبيرة من الناس وأصبح الحزب الشيوعي الألماني غير شرعي. في ذلك الوقت بلغت شعبية الحزب النازي 43,9 في المئة. وكانت تلك المرة الأولى يحصل فيها حزب على هذه النسبة في ألمانيا. تحالف آنذاك مع الاحزاب الأخرى فحصل بذلك على 51,9 في المئة من الأصوات. صحيح أن هذه النتيجة لا تعطي دعماً كبيراً لهتلر، لكن دعايته قدمتها باعتبارها انتصاراً باهراً.

    هوت حينها قبضة النازيين على جميع مفاصل الحياة، السياسية منها والاقتصادية، والمؤسسات والمكاتب الرسمية الدولتية والبنوك والتجارة والصحافة. واستجمع هتلر في يده السلطات التنفيذية والتشريعية وسجن مباشرة 81 نائباً ومنع الاحزاب والنقابات. وتربعت دولة الحزب الواحد على العرش.

    الدرس المستفاد من الظرف الذي ساعد هتلر على الامساك بالسلطة؟

    تضافر عوامل عدة: دستور فايمر الديموقراطي اللين بالنسبة الى الحقبة، ما فتح الباب أمام المناورات السياسية. ثم نمط الاستفتاء المعَيّن بحسب الدستور لم يسمح بإرساء حكومة مستقرة. الى جانب الوضع الاقتصادي المضطرب والمتأثر بالحرب والأزمات الاقتصادية التي تسببت بالبطالة المرتفعة. ذلك كله زاد من عدم الاستقرار الاجتماعي. من دون أن ننسى أخيراً مساوئ الدستور التي لم يُمكن ضطبها كما يجب، ونقص المبادرات وعدم فاعلية الأحزاب والنقابات الأخرى المتشرذمة جميعها، التي تم التلاعب بها بواسطة البروباغندا النازية، التي توصلت الى استدخال الايديولوجيا التوتاليتارية في أذهان الناس.

    هذه العوامل تصف جيداً السياق الذي يوصل بلداً ما الى التوتاليتارية والاستبداد.

    منى فياض
    جريدة النهار
    30.01.2011

    Leave a Reply