• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    نُخَب تونسية مكافحة ونُخَب لبنانية مذعنة

    من عناصر تميز الانتفاضة التونسية، بل لعله عنصر فرادتها الأقوى مع بداية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين أنها ثورة غير ايديولوجية بالمعايير التي نعرفها، عمليا أو نظريا.

    فلا هي ثورة إسلامية… رغم انضمام بل التحاق إسلاميي “حركة النهضة” بها بعد اندلاعها.

    ولا هي ثورة يسارية رغم انضمام بل التحاق عناصر تنظيمات يسارية – وبينها تنظيم شيوعي – بها بعد اندلاعها.

    صحيح أن الاسلاميين كما الشيوعيون، يصطفون في لائحة نخبوية طويلة الى جانب ليبراليين وناشطين حقوقيين علمانيين كجزء من إرث النضال الديموقراطي ضد القمع البوليسي والفساد، غير أنه بات من الواضح أن الكتلة الاجتماعية من العاطلين عن العمل حملة الشهادات الجامعية هي الكتلة التي حركت وقادت الاحداث حتى سقوط الرئيس بن علي. هذه الكتلة هي وليدة النظام التونسي ووليدة عجزه في آن معا.

    هذا التزاوج غير المفتعل بين الديموقراطي والاجتماعي الذي أسفر عنه المخاض التونسي السريع حتى الآن (و”النظيف” بالتالي) دفع نحو بناء لا عودة عنه للاطار الديموقراطي للحياة السياسية التونسية… ستؤدي في سياق سلمي – وبدور بنّاء للجيش – الى نظام تعددي تحت قدر عال من الشفافية، سنرى لاحقا كيف ستنعكس شفافيته السياسية على بنيته الاقتصادية: فمكافحة الفساد الكبير لا تكفي لتعريف طبيعة النظام الاقتصادي في بلد يعتبر صاحب تجربة ايجابية في مجال سياسات قطاع خدمات وبعض القطاعات الصناعية التي وسّعت تاريخيا الطبقة الوسطى وجعلتها طبقة راسخة في المجتمع.

    هذا الجانب الايجابي استند اليه الرئيس الفرنسي نيقولا ساركوزي في “اعتذاريته” المعلنة أمام الاعلام، من التونسيين قبل ثلاثة ايام حين “سمحت الحكومة الفرنسية بأن تعمي نفسها” عن الجوانب الاخرى “بسبب نجاحات النظام”… في “تحرير المرأة، وجهود التعليم، والدينامية الاقتصادية وظهور طبقة وسطى” حسب تعبيراته. كان اعتذارا معبرا بمعزل عما اذا كانت النخب التونسية ستغفر له استمرار تأييده لنظام بن علي حتى تأكده من سقوطه. في حين كما أشرت، في مقالي أمس، وعلى الرغم من الصداقة السياسية الطويلة بين واشنطن وبن علي، لم يكن لدى الاميركيين أي عقدة ذنب، لأن ادارة أوباما كانت قد أقامت علاقات مع وجوه تونسية معارضة في السنتين الاخيرتين وربما قبلهما.

    إن فرادة نموذج الانتفاضة التونسية وقوة فعاليته من حيث إسقاطه السريع للنظام الامني تجعلان هذا النموذج داخليا بامتياز حتى لو ثبت لاحقا أنه كانت هناك ربما اتصالات خارجية مع بعض القوى داخل النظام وخصوصا مع مؤسسة الجيش.

    فالديناميكية التي عبر عنها الشارع – كمسرح لانفجار قوى اجتماعية سياسية – هي التي تشكل جاذبية “النموذج” التونسي.

    عند هذه النقطة يمكن الانتقال الى موضوع ظهر أحيانا على ألسنة بعض السياسيين اللبنانيين، وحتى بعض المعلقين الغربيين، وهو مقارنة الوضع اللبناني، خصوصا منذ ما بعد 2005 الى اليوم بالوضع التونسي.

    الوضع السياسي اللبناني لا يملك أيا من الخاصّيات التي ظهر أنها أدت الى الانتفاضة التونسية. فهو وضع يحكمه نظام سياسي طائفي في صياغته الدستورية وأصبح الآن مذهبيا في تطبيقه الواقعي. وهو يعيش منذ أكثر من عقد ذروة قدرته الاستقطابية. فلا “جمهور” واحد في لبنان، بل لا “رأي عام” واحد اذا تبنينا الفارق بين “الجمهور” أي العامة في الريف والمدن وبين “الرأي العام” الذي تصنعه النخب في المدن. ولهذا:

    1 – صار من المؤكد في لبنان – بالتجربة العملية – عدم امكان القضية الاجتماعية الاقتصادية تحريك دينامية سياسية تغييرية وتوحيدية ايضا على مستوى القواعد أي الطبقات الاكثر حساسية عادة في أي بلد وهي الطبقة الوسطى بشرائحها المختلفة والفقراء. لقد كان للنقابات تقليديا في التجربة اللبنانية قدر من الاستقلال عن القوى السياسية الممسكة بالنظام الطائفي. لكن مع تحول هذا النظام الى نظام أحزاب – طوائف شبه مغلقة تمكن من السيطرة شبه الكاملة على معظم الحركة النقابية بعد إحداثه تعديلات جوهرية في بنيتها.

    2 – مستوى الاستنفار الطائفي والمذهبي الذي بلغته الحياة السياسية اللبنانية، والمستند الى تعددية سوسيولوجية فعلية، أمدّ النظام الطائفي بقدرة استقطابية ألغت أي حيز مستقل للدولة – كبنية ادارية عن الاجهزة الطائفية الاساسية.

    3 – رغم الوجود الدائم لأصوات – وحتى قوى محدودة – معترضة على القبضة الامنية – السياسية – الشعبية للنظام الطائفي، فان هذا النظام يعيش مع خلافات مكوناته الكبرى، أقوى مراحل تاريخه كنظام طائفي منذ تأسيس الدولة اللبنانية، باعتباره عمليا نظاما “فدراليا” بين مجموعة دويلات طائفية، بعضها خاضع مباشرة لمرجعيات اقليمية، مثلما هما الحالتان السنية والشيعية تحديدا.

    كل هذه العناصر الثلاثة تبدو مختلفة في تونس، المجتمع والدولة. فالمجتمع التونسي موحد دينيا ومذهبيا، ومنذ الاستقلال عام 1956 تقوم دولة مركزية تحولت بعد سنوات قليلة الى دولة بوليسية على المستوى الأمني. هذا الطابع الموحد الفعلي للدولة “مَرْكَزَ” النضالات السياسية والاجتماعية رغم الاختلافات بين المناطق والطبقات. وما انبثق من انجازات باهرة عن هذه الانتفاضة يأتي بالنتيجة من هذا التاريخ “المركزي” الطويل الذي جعل للحركة النقابية التونسية دائما مضمونا وتأثيرا سياسيين فعالين.

    4 – نقطة رابعة مهمة، تتعلق بالنخب اللبنانية النشيطة سياسيا والمشاركة في الشأن العام، فمقدرة النظام الطائفي الاستقطابية غير المسبوقة والأقوى من أي مرحلة سابقة، تشمل ظاهرة قوة هذا النظام الآن بين النخب. فالمشهد اللبناني في أي جولة “تدقيق” بين البيئات الطائفية تظهر بوضوح أن معظم النخب ملتحقة بأجهزتها الطائفية إما مباشرة أو تحت تأثيرها المباشر. وإذا كان لهذا المشهد حاليا استثناؤه في البيئة المسيحية، فانه واضح تماما في البيئات السنية والشيعية والدرزية. هذه النخب المنخرطة داخل الاجهزة الطائفية لا تملك القدرة على الاستقلال عن مرجعياتها الطائفية، فكيف بالتوحد وانتاج “نموذج تونسي”! لديها طبعا ضمن الآليات الطائفية فعالية انتاج ديناميكيات أخرى ذات أهمية، لكن غير موحدة، بل في التصارع في ما بينها، وغير تغييرية على مستوى النظام.

    علينا انتظار جيل آخر لإحداث التغيير الذي ينهي هذه الاستنفارات المذهبية الممأسسة، وعلى الأرجح لن يكون كثيرون بيننا على قيد الحياة ليشهدوا تلك الانعطافة نحو وطن موحد، ثابت، وديموقراطي، وذي “داخل” فعلي كتونس. هناك دول قد تكون أقل ثراء ثقافيا واجتماعيا من لبنان ولكنها دول – أوطان حقيقية.

    جهاد الزين
    جريدة النهار
    27.01.2011

    Leave a Reply