• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    وفي صبيحة ما بعد القرار…

    السادسة صباحاً يرن الهاتف مستعجلاً، رقم غير ظاهر على الشاشة يصرّ على إيقاظي، احاول ان اتذكر من هو الصديق الذي أعطيته موعداً باكراً اليوم، ولماذا يستطيع ازعاجي بهذا القدر من الاصرار؟ أفتح الهاتف وأقول “ألو” فأكتشف من هو هذا الصديق الذي يجلس على طرف آخر من العاصمة بعيداً عني. يلفتني ارتباكه وصوته اللذان يدلان على الأزمة الكبيرة التي يتخبط بها. يلقي تحية الصباح ويبدأ بإخباري قصة الانتشار الصباحي ولابسي الثياب السود الذين خرجوا من سيارات مختلفة فيما نزل البعض منهم من شقق سكنية يضعون أقنعة على وجوههم ويحملون العصي. يخفض الشاب صوته خوفاً من أن يعرف محتلي الشارع الكثر أنه يتصل بأحد ما ويحكي عنهم… ينهي خبريته وهو يشهد على التمدد السريع لأحد النماذج الموعودة ويختفي صوته طوال قبل الظهر من دون أن يعاود الاتصال.

    العاشرة صباحاً، أحد الأصدقاء من خارج لبنان يحاول الدردشة عبر الانترنت ليعرف قصص لبنان وأخباره وأخبار التداخلات العربية والإقليمية فيه. يسألني هل من حرب عندكم؟ ويضع إشارة الابتسام ليقول إنه يمزح، فالوضع اللبناني لا يحتمل أي انفجار قبل يوم السبت المقبل حيث يلتقي وفد المفاوضات الإيراني مع وفد الدول الست. إذا المسألة هي مفاوضات خارجية أيضاً، ولكنها كما يقول خلال المحادثة على الانترنت هي بناء صراعي مكون من ثلاث طبقات، محلية، إقليمية ودولية، يدور طوال الوقت حول الأزمة اللبنانية. يؤكد أنه لا مع آذار ولا مع آذار. يناقش في التغيرات الإقليمية والتبدلات في المنطقة لا يقترب في حديثه من وضع انتفاضة الياسمين في تونس ولا في التحركات العربية الأخرى، ولكنه يؤكد أن الأوراق اللبنانية مخلوطة ولا يمكن حالياً تفريق المشكلة اللبنانية عن تشابك المنطقة وتعقد أزماتها.

    الواحدة ظهراً شوارع بيروت تكاد تفرغ من السيارات، الجميع يستمع إلى أخبار وصول وزيرا خارجية تركيا وقطر، الانتقال بالسيارة من رأس بيروت إلى وسطها بثلاث دقائق فقط، أمر غريب ولكن كما يظهر فالجميع يريد أن يتابع المسألة السياسية خصوصاً مع انتشار خبر الانتشار شبه العسكري في بعض شوارع بيروت وعودة التلاميذ من المدارس في مشهد يشبه إلى حد كبير أيام الحرب الأهلية.

    سيناريوات كثيرة عن مآل الوضع السياسي يتناقلها المواطنين، هنا أزمة وهناك تخلٍ وهنالك عروض عضلات كبيرة وصغيرة ومتوسطة الحجم، سيناريو ضربة عسكرية، توتير واستعمال قوة على الارض لفرض امر واقع واستدراج 14 آذار للموافقة على الأمر الواقع وتظهيره سياسياً في اتفاق مثل اتفاق الدوحة ومن ثم العودة لاحقاً لانتزاع ما تعهدوا به وفرض أمر واقع جديد ومحاولة تظهيره سياسياً، وهكذا دواليك. سيناريو آخر يصف الظروف الحالية بالـ “ستاتيكو”، أي بقاء الأمور كما هي الآن، لا تبديلات ولا تغيرات، انتظار نهاية مفاوضات إيران والدول الست لمعرفة ما سيحدث هنا، أو “نار يا حبيبي نار” على قول المغني الراحل عبد الحليم حافظ.

    الخامسة مساء أو السادسة، وزير مستقيل من عيار قوي جداً، يدير “ميليشيا” في احتلال مكاتب في الوزارة التي استقال منها، احتلال واقتحام ومؤتمر صحافي يخترق فيه الصراعات ويحاول نقلها إلى مرحلة جديدة. يهاجم ويستعرض عضلاته “اللسانية”، يسجّل انتصاراته باسم تحصيل حقوق المواطنين، وباسم المواطنين يعيّن من يريد مع أنه كان استقال بكل طيبة خاطر وسبق الجميع بتقديم استقالته “بئس زمن”، كما قال صديق من دارفور السودانية.

    تتواصل الاجتماعات، شائعة صغيرة تقول إن الليلة ليلاء وستقع الواقعة مع خروج وزراء خارجية البلدين من بيروت. تتوجه العيون صوب مطار رفيق الحريري الدولي، وتتراجع هذه الشائعة مع انتصاف الليل حيث يقرر الوزيرين البقاء في بيروت ولقاء زعماء سياسيين جدد، علّ نهاراً آخر يسمح بالتهدئة والحب والمحبة.

    بعد منتصف الليل تشتعل السماء برقاً ورعداً، هزّة أعصاب صغيرة وصوت المطر القليل يريح الأعصاب، ينام الناس بهدوء وينسون الأفكار الجهنمية الكثيرة التي رافقت نهارهم الطويل.

    منذ استقالة وزراء الأقلية النيابية واللبنانيون يتحركون بخوف أكثر وثقة أقل بوضع البلد، صورة سوداء وتشاؤمية، ولكن أن يقوم مصرف لبنان ببيع مليون دولار أميركي في يوم واحد لتعزيز الليرة ومنع انهيارها يفتح الباب على آلاف التساؤلات… ماذا لو حصل مكروه في هذا البلد؟ وماذا لو غيرها عن توقف العمل وعدم القدرة على تأمين حياة سعيدة ومتكاملة؟. تتكاثر الأسئلة وتبقى الأجوبة قليلة بانتظار نهايات سعيدة في مكان ما من هذا الكون.

    يرحل الشباب اللبناني إلى الخارج باحثاً عن الحياة الكريمة والحرية والرزق وكذلك هرباً من مطاحنة يريد البعض ادخال لبنان بها، مطاحنة ارتبطت بملف التفاوض الإيراني مع الدول الست، مطاحنة تريد الإطاحة بطريقها بالمحكمة الخاصة بلبنان وقرارها الاتهامي وتريد كذلك الاطاحة بمفهوم الدولة والدستور اللبناني القائم على اتفاق الطائف.

    يريد الانقلابيون الجدد من رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري تقديم التنازلات والتخلي عن حق اللبنانيين بالعدالة والأمن والاستقرار، وفي حال رفضه ذلك محاولة تسمية من يضع اللبنانيين من جديد في السجن والعودة إلى ما قبل اتفاق الدوحة حيث كانت العبوة الناسفة هي الرد الوحيد على من صنعوا الحرية في لبنان بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري.

    في لبنان شعب وقف طوال ست سنوات في وجه الموت والقتل، وينتظر العدالة أن تحميه. هذا الشعب لن يسمح اليوم لأحد بأخذه إلى سنوات سوداء مرّت، بلد في عين العاصفة يحتاج إلى أكثر من صلاة التي قد تفيد كثيراً في ظل هذه الظروف.

    عمر حرقوص
    جريدة المستقبل
    20.01.2011

    Leave a Reply