• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    الحديث عن الحرية عبث ما لم يقم على أساس الفردية والتفرد

    “ولد الإنسان حراً، إلا أنه مكبل في كل مكان بالأغلال، على ذلك النحو يتصور نفسه سيد الآخرين، الذين لا يعدو أن يكون أكثرهم عبودية. فكيف جرى ذلك التغيير؟ أجهل ذلك”.

    بهذه العبارة استهل جان جاك روسو كتابه الخالد “العقد الاجتماعي” عام 1762، ولم يكن ما لاحظه “روسو” مجرد حالة عابرة، تخص مكاناً أو زماناً ما، فهذا الوضع الإنساني أو اللاإنساني كان في الماضي قبل روسو وبعده وإلى الآن، وربما سيظل قائماً إلى الأبد هنا أو هناك. إذا كان الإنسان حقاً ولد حراً، فمن أين له بالقيود؟ من الذي علمه أن يصنع القيود؟ ومن الذي أوحى له أن يرتديها؟ كيف تأقلم مع أغلاله؟ هل نسى فعلاً أنه يوماً ما كان حراً، ومنذ متى فقد الذاكرة؟ الكون يموج بالأحياء، وكلها حرة طليقة، فلماذا اختص الإنسان دون غيره بالقيود؟ هل الإنسان فعلاً يتميز بالعقل الواعي دون باقي الكائنات؟ وإن كان الأمر كذلك، فهل القيود والأغلال هي المصير الذي قاده إليه عقله ووعيه؟

    إذا كان من الواضح والمرجح أن عقل الإنسان ووعيه هما المسؤولان عما آل إليه حال الإنسان من عبودية يتفرد بها على سائر الكائنات كما لاحظ روسو، فإن الوعي ذاته أيضاً هو الذي استيقظ بداية من القرن السابع عشر والثامن عشر على الأقل، لينتشل الإنسان من سقطته، ويستعيد له حريته، بالبدء في مسيرة طويلة وشاقة وعسيرة، تعترضها العقبات، وتتخللها انتكاسات وارتدادات، لكن تيارها العام ظل منذ ذلك التاريخ يتقدم حثيثاً نحو غايته العليا، وهي تحقيق الحرية التي تجعل الإنسان فخوراً بكونه إنساناً. تلك المسيرة التي نطلق نحن عليها الآن المسيرة الليبرالية، والتي تعني لغوياً واصطلاحياً “الحرية”، ولا شيء غير الحرية.

    لا بأس أن نختلف ونتجادل حول مفاهيمنا المتعددة للحرية، فالمعنى الواحد الوحيد والصارم، لا يمكن أن يمت بصلة لعالم الحرية الذي نسعى إليه، أو نزحف نحوه، لكن من الواضح أيضاً أن التنوع في مفاهيمنا للحرية أو الليبرالية، لا يمكن ولا يجوز أن يتوجه بنا إلى اتجاه مضاد للهدف الوحيد وهو تحرر الإنسان، فإذا ما خرجنا بمفاهيمنا عن ذلك الخط أو تلك الدائرة، فإن علينا عندها أن نسمي الأشياء والأمور بمسمياتها الحقيقية والمنطقية، فنعلن صراحة أننا معادون أو رافضون للحرية، بدلاً من أن نقوم بمماحكات ومغالطات، لكي نلبس العبودية ثياباً جديدة ملونة، حتى تتماشى مع موضة العصر الليبرالي، أو نكون كمن يأتي بعبوة من الملح، مكتوباً عليها من الخارج سكر!

    نقول هذا لأن الكثيرين يرتكبون أخطاء في فهم الليبرالية، وقد يكون وراء هذا سوء نية أو حسن نية، ولأن النيات ليست ضمن اهتماماتنا، فإن الأمر لدينا سيان، وهو أن أخطاء الفهم تودي بنا إلى الضلال عن طريقنا الذي اخترناه، أي مسيرتنا نحو تحرر الإنسان، فنهدر الوقت والجهد ونحن ندور متعثرين متلعثمين حول أنفسنا وذواتنا المتضخمة على ما بها من خواء! ببساطة كل فكر يساعد على تحرر الإنسان هو فكر ليبرالي، وكل ما يحكم القيود حول رقبته أو قدميه، هو فكر مضاد لليبرالية، ولا أعتقد أننا هكذا نتحكم أو نتعسف!

    يتصور البعض أن الليبرالية تحتم على الإنسان أن يتخذ موقف حياد أشبه بـ”اللاأدرية”، حياد أعمى فرضه عليه قدره الليبرالي، بين سائر التيارات والمتناقضات الفكرية والسلوكية، وأن أي انحياز أو تحمس لأحد الجوانب، هو بمثابة كفر أو تناقض مع ما يعلنه أو يدعيه من ليبرالية! هكذا وكأن الليبرالية ماء فاتر عديم اللون والطعم والرائحة، وكأنها أيضاً ليست وصفاً أو دليلاً لسعي الإنسان نحو الحرية، وإنما هي بركة مياه راكدة، تتيح لكل أنواع الديدان والطفيليات أن تنمو وتترعرع، مادامت تنظر الى كل الأشياء بمنظار واحد محايد لاأدري، وتقوّم المرَّ ذات تقويمها للعسل، وتتعامل مع “الحمرا” كما تتعامل مع “الجمرة”، ومع السمكة كما مع الحية الرقطاء، فتصف دعوات التحرر والمحبة بأنها “فكر”، وتصنف أيضاً دعوات القتل والكراهية، أو دعوات الحجر على الإنسان وتقييد وتحديد سلوكه في كل همسة ولمسة بأنها “فكر” أيضاً، وأن كليهما ينبغي أن يعطيا فرصاً متساوية للانتشار برعاية “ليبرالية كريمة”.

    هو فهم غريب إن لم يكن شاذاً، أن نتصور أن الليبرالي ينبغي أن يقف الموقف نفسه من كل من دعاة تحرر الإنسان ودعاة تكبيله بالأغلال، وأن يترك أمر الحسم بين الطرفين لآلية من آليات الليبرالية هي “الديموقراطية”، ممثلة حصراً في صناديق الانتخاب أو استطلاع الرأي، فنقوم بعمليات حسابية وإحصائية، تحصر عدد المؤيدين للتحرر وعدد المعادين له، لنصل هكذا إلى القرار “الليبرالي” الصحيح، الذي قد يكون الالتزام بتفسيرات محددة لنص مقدس، هو الذي قررته الغالبية العددية، والطريف هنا أن نتصور أننا هكذا نكون نعيش في حالة ليبرالية، أي حالة تحررية، رغم أن الإنسان هنا يكون قد أحكمت حوله القيود، وتم إدخاله إلى زنزانة يقف على بابها سياف، متأهب لقطع رقبة كل من تسول له نفسه الخروج!

    طريف أو سخيف أيضاً أن يكون المدى الذي نذهب إليه في تحررنا، محكوماً بقدرتنا على لي عنق نصوص مقدسة، تحت مسمى التأويل أو التحديث أو ما شئت من مسميات، ينطبق عليها وصف واحد حقيقي وكاشف، هو “التحايل على النص”، والأكثر طرافة أو سخافة هو ألا نعتبر مثل تلك المحاولات مقدمة لا مفر منها قبل أن يتيسر لنا الفكاك النهائي من أغلالنا، وإنما نطلق عليها تسميات ظريفة نرضي بها الأنا المجروحة، كأن نعتبر الدوران الحائر حول الذات المغلولة، هو إبداعنا الليبرالي الخاص، فيا لها من ليبرالية، وما أسوأها خصوصية!

    يكون الحديث عن الحرية عبثاً، ما لم يقم على أساس فردية الإنسان وتفرده، بمعنى أن أي محاولة لصب الجميع في قالب واحد ولو من ذهب، هي محاولة مضادة للحرية، سواء كان هذا القالب الذهبي أيديولوجيا علمانية، أو دوغما ميتافيزيقية، فالدائرة الوحيدة التي تحدد للإنسان الحر أو الليبرالي حركته، هي دائرة التقاطع مع حرية غيره، وفقاً للمبدأ البسيط المعروف لدينا “أنا حر ما لم أضر”. أما التوجهات التي تحدد للإنسان ما هو أكثر من ذلك، وتتمادى لتضبط أخلاقه وسلوكه ومصيره في الدنيا والآخرة أيضاً، فهذه لها تقويم ومكان آخر غير الفضاء الليبرالي، ولا يغير من هذا التقويم أن يذهب الإنسان للقيود بإرادته الحرة، فالقيود هي القيود، سواء أجبرنا عليها طرف خارجي، أو أملتها علينا نوازع داخلية، تم زرعها في عقولنا ونفوسنا، فتحولنا من طبيعتنا الأصلية الحرة، إلى كائنات تدمن العبودية وتأتنس بها. فالحرية ليست بالبساطة والابتذال أن تكون مجرد حرية اختيار. نعم حرية الاختيار حق إنساني، وأحد ممارسات الحرية، لكنه ليس كل ما في فضاء الحرية، فالاختيار الحر للعبودية لا يكفل للإنسان وصف “حر”، فليكن عندها ما يكون فهذا هو قراره، لكن هذا لا يمكن أن يعني أنه قد صار “إنساناً حراً”، وأن المجتمع المكون من أمثاله هو مجتمع ليبرالي. فالشعب الأفغاني الذي أتاحت له قوات التحالف حرية الخيار، لا يكاد أن يكون تحرك خطوات يعتد بها، مفارقاً لعبوديته الاجتماعية والدينية. نعم من حق المرأة أن تدفن نفسها بإرادتها داخل عباءة سوداء، لكن هذا لا يعطيها الحق في الادعاء بأنها “كائن حر”!

    هنالك نقطة أخيرة في عجالتنا هذه، وهي أن الحرية لو كانت مطلوبة فقط لذاتها، باعتبارها حقاً إنسانياً طبيعياً أصيلاً، لأمكن أن نخدع أنفسنا، كما يحدث الآن كثيراً هنا وهناك، ونطلق على قيودنا توصيف “حرية”، ونسوق المماحكات والمغالطات للبرهنة على أن ما نحن فيه هو عين الحرية، وأن كل ما عدا ذلك هو العبودية. كان يمكن أن نقبل هذا التدليس ولو على مضض، انصياعاً للمثل الشعبي المصري القائل: “أبوها راضي وأنا راضي، مالك أنت ومالنا يا قاضي”، لولا أن البيئة الحرة الحقيقية، هي البيئة الوحيدة التي تتفجر فيها ملكات الإنسان الإبداعية، والتي بدونها لن يتطور أو يتقدم الى الامام بالمقياس الحضاري، ونستطيع التأكد من ذلك الادعاء بسهولة، إذا تلفتنا حولنا، لنلاحظ أنه حيث الحرية هناك التقدم الحضاري، وحيث العبودية بمختلف أشكالها هناك التخلف والفقر والمعاناة. هكذا فإن مغالطاتنا ومحاولاتنا وصف الأغلال التي تكبلنا بأنها أغلال ليبرالية، سوف ترتد علينا على أرض الواقع، عجزاً عن مسايرة التقدم والتطوير، لنظل إلى الأبد نخوض في مستنقعات تخلفنا وجمودنا، وهناك من ينشد لنا مزامير ليبراليتنا الخصوصية!

    قد يبدو موضوع الحرية أو الليبرالية معقداً أو تكتنفه المتشابهات، لكن الحقيقة هي أنه غاية في البساطة والوضوح، وما الغموض والالتباس إلا لمحاولاتنا التدليس والتعمية على أحوالنا، وهو ما لم ولن يفعله قوم أحبوا الحرية حقيقة، وأدركوا ما تتيحه لهم من تحقيق للذات ورفاهية في العيش الكريم الذي يليق بالبشر، وقرروا أن يسيروا في طريقها!

    كمال غبريال
    جريدة النهار
    20.01.2011

    Leave a Reply