• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    هل ما زلنا جمهورية؟

    تخطّت الأزمة الحكومة إلى طبيعة الشراكة بين اللبنانيين. ومن هذه الشراكة ذهبنا إلى الأسهم الإقليمية والدولية.

    في السياسة والأمن والاقتصاد والفساد ومكافحته، وفي الخيار الاجتماعي كما في غيره، صارت الجماعات السياسية وكالات حصرية يصعب تجاوزها. هنا بالضبط تقوم الشراكة الحقيقية في لبنان أو التواطؤ المعطل للتغيير الحقيقي. لولا هذا التقاطع الطائفي السياسي الذي تحرص عليه الجماعات الفاعلة لشهدنا أكثر من انتفاضة على شاكلة الانتفاضة التونسية ضد الفساد والدكتاتورية وسياسات الإفقار. حتى هذه اللحظة استطاع المجتمع في تونس أن يستوعب وأن يتجاوز التخريب الأمني ـ السياسي الذي اشتغلت عليه أكثر من جهة محلية وخارجية، رغم وجود تعددية سياسية واضحة في حراك الشارع. التعددية السياسية كانت عنصراً إيجابياً لأنها لا توحي باحتمالات الهيمنة. لم يولد العنف قبل السياسة. كان العنف الشعبي مجرد لحظة في الاحتقان السياسي ومعظمه سلطوي أو هامشي. هناك سلطة وهناك مجتمع. ليست الحاجة إلى التغيير أقل في لبنان، لكنها الأكثر إعاقة. ليس «المجتمع» بهذا التعميم والبساطة هو المسؤول، بل المجتمعات السياسية الكابحة ما يسمى «الثورة الاجتماعية»، التي هي في حقيقتها ثورة سياسية ديموقراطية تحمل مضامين المشاركة والحرية والمساءلة وتكافؤ الفرص، وتفتح مسار التقدم والتنمية والتوازن.

    دائماً في لبنان كلما تقدمت احتمالات التغيير الإصلاحي يحضر الانقسام السياسي لا الانقسام المجتمعي. ما يسمى الانقسام العمودي في لبنان هو انقسام سياسي، لأن النظام حوّل الطوائف الى مؤسسات سياسية. المؤسسات السياسية هي بذاتها حاضن لمستويات متعددة من المصالح الاجتماعية، ومن الثقافات بمعنى الوعي لا بمعنى «الإثنيات» وهذه الثقافات سياسية بامتياز.

    تتموضع الطوائف على خيارات سياسية تمليها الظروف وتوازنات القوى ولا تمليها الأديان والمذاهب ولا الطقوس ولا أي شيء يختص بالعبادات ولا حتى بالموروث التاريخي وحده، على أهمية الموروث في تغذية الائتلاف السياسي لجماعة أو تغذية لحمتها ووعيها الجماعي. المسألة هنا أن أي مجتمع يستطيع أن يصنع التغيير وأن يطرق أبواب الإصلاح والتقدم إذا توافر له المشروع السياسي والحافز السياسي. أسقطت تونس الدكتاتورية، قد تنجح وقد تفشل في مضامين الإصلاح وتحقيق الديموقراطية، بينما نحن في لبنان لا نجرؤ على النموذج، وعلى الفكرة، خشية أن تنفك الحدود السياسية الطائفية. قبلنا ونقبل شرعيات طائفية تجرنا إلى شرعيات التدخل الإقليمي والدولي لأن وعينا السياسي ملجوم أصلاً بقواعد اللعبة والتوازنات الطائفية.

    نعم… الطائفي يحارب الطائفي ويصالحه، لكنه لا ينقض الطائفي في عمق المشروع السياسي. يتصادم الطائفي إيديولوجياً ودينياً ومذهبياً وسياسياً و«ثقافياً» على المسرح الطائفي نفسه ولا يتخطاه إلى الخيار الاجتماعي الإنساني الديموقراطي. خلال سنوات الأزمة نعيش هذا الارتباك الشامل لجميع الأطراف في الحديث عن الدولة الوطنية أو الديموقراطية أو العادلة أو الدستورية القانونية. الشعار ونقيضه تستخدمهما الجماعات نفسها لتبرير لحظة سياسية، لا ضعفاً في الثقافة الدستورية، بل لأن المجتمع التناحري الطائفي لا يستقيم مع القاعدة القانونية الثابتة والراسخة وذات الصفة العمومية. هذه الشخصية الوطنية المركّبة من هيكل دستوري مدني، ومن بنية عشائرية طائفية آيلة إلى الانقسام. ليست المؤسسات فقط تلك المسماة مجلساً نيابياً وحكومة، المؤسسات المحركة للعملية السياسية هي تلك التي تنظم الفعل الإنساني في المجتمع وهي مؤسسات طائفية. الطائفي وحده لا يمكن أن يحدد المعيار الوطني. أما الوطني فيمكن له أن يتلبّس الطائفي دون تطابق كامل. الوطني ليس موقفاً وحسب، بل خيار يتدرّج من الإطار السياسي المسمى سيادة واستقلالاً في الحرية والتصرف ليقوم في الاقتصادي والاجتماعي والثقافي الممارس. السياسي يحمل الهوامش دائماً للوطني والطائفي والاقتصادي والاجتماعي.

    السياسة هي المتحرّك الأسرع في التناقضات، لذا هي مجال المناورة والتفاوض والتعاقد والمناحرة. لكن السياسة التي تكشّف الاقتصاد تخونه. المعنى الأصيل والمستقيم للسياسة هي حين تكون أقرب ما تكون إلى الحاجات الإنسانية الاجتماعية، أي إلى قيم التطور الإنساني والرفاه والحرية. هذا القيد الطائفي في لبنان هو «الكفر» أو الجحود بالإنسان. هو التجسيد الفعلي لكل تخلف بأي معنى من المعاني قاربناه. الطائفي ليس الديني، بل الطائفي هو الوجه العصبي القبلي من الدين. هو رد الدين إلى عنصر واحد مغلق وأكبر تجلياته التاريخية هي الصهيونية. كل دين عصبوي غير قابل بالآخر هو العنصرية بذاتها.

    أنت يهودي ولا يحتمل أن تصير يهودياً أو غير يهودي. هذا هو الفارق بين اليهودية وسائر الأديان الأخرى في الأصل. كل ثقافة مركزية على ذاتها لا يدخلها الآخر ولا يخرج منها الآخر هي شكل من أشكال الصهيونية أو العنصرية وهما تتشابهان. هكذا في السياسة حين تتعامل بمنطق اللون أو العنصر خاصة حيث لا لون ولا عنصر ولا حتى ثقافة بالمعنى العميق للكلمة. لا معنى لشيء اسمه حقوق الجماعات كجماعات فقط ما لم تشمل هذه الحقوق جميع أفرادها. للأسود حق التصويت. لكل أسود حق التصويت. لكن لا يمكن أن يكون للأسود ولكل أسود موقع رئاسة أو قرار. للجماعات ضمانات ولا يمكن أن يكون لها الحقوق ذاتها وإلا تحولت إلى كيانات سياسية أشبه بالدول. الأسوأ من تطييف الحقوق شخصنتها. حين تشخصن الحقوق ندخل في مملكة الحيوات. هذا خروف وذاك تيس (عفوكم للتعبير).

    هذه ليست مملكة الإنسان التي يجب أن نبحث عنها في القرن الحادي والعشرين.

    يقوم النظام الجمهوري على قاعدة أن الشعب هو مصدر السلطات. أكدها دستورنا وقام كياننا السياسي على المبدأ الجمهوري. لم يعد لهذا المبدأ أثر في ممارستنا السياسية. لم يكن ينقص هذا النظام السياسي المنحرف إلا أن يحوِّل أملاك الناس الى أملاك أميرية كما اقترح أحدهم. هذا نظام «مؤامرة» يلاقي مؤامرة. لهذا أشكلت ولا تزال تشكل علينا حروبنا وحروب الآخرين. طبقة سياسية عاجزة عن إيجاد الحلول، وكذلك عاجزة عن التسويات!؟ كلما تعرفنا أكثر إلى شخصية أفراد الطبقة السياسية عندنا شعرنا بالإهانة من المستقبل.

    سليمان تقي الدين
    جريدة السفير
    18.01.2011

    Leave a Reply