• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    لبنان ليس الإسكندرية ولا بغداد ولا فلسطين ولا إيرلندا

    أ – العودة الى الأصول:

    يجمع الباحثون الاجتماعيون على ان الإنسان، وفي اوقات الشدّة، غالباً ما يعود بذاكرته (على المستوى الفكري/ النفسي) او بجسده الى ماضٍ متمثّل بأماكن زمنيّة او رمزيّة لتبعث في نفسه طمأنينة الوجود… فالعودة التي نتكلم عنها قد تتجسد في زيارة بيت النشأة او المدرسة او مكان العمل او حتّى أماكن التسكّع مع الأحبّة والأصدقاء. فينتج عن هذا التمرين الذهني عودة الى مكوّنات مهمّة في ماضٍ ديناميكي يبعث في نفس صاحبه طمأنينة وحنيناً الى الأصول التي كانت ولا تزال مصدر قوّة يعوّل عليها في أوقات الشدّة، فإذ بذاكرته تتحوّل منارةً ذهنيّة تساعده على مواجهة الأخطار المحدقة في أفق غامض.

    ب – عودة مجتمع الى أصوله:

    مكوّنات المجتمع الحضاري تبقى نفسها مكوّنات الفرد، فهو بطبيعة الحال الحاضن والمؤسس لتلك المجتمعات التي غالباً ما تكون على صورته ومثاله… فالمجتمع يملك ايضاً ذاكرة يطلق عليها علماء الاجتماع اسم: “الذاكرة الجماعية”. ولعلّ افضل ما قيل عن تلك الذاكرة يعود للعالم الفرنسي بيار نورا حين اختزل هذا المفهوم الحضاري بأنّه “الذاكرة أو الذكريات كافّة، مدركةً كانت ام لا، المرتبطة بتجربة حقيقيّة عاشتها او حوّلتها الى أسطورة مجموعة حيّة من التماثل تكملها احاسيس الماضي”.

    فالتجربة وإن كانت حاصلة فعلاً او غير معلوم بها تصبح جزءاً لا يتجزأ من ذاكرة شعب، فالأهمّ هنا بحسب نورا انّ مكوّنات الذاكرة الجماعية تكون مبنيّة أحياناً على وقائع معلوم بها، واحياناً أخرى على وقائع حاصلة فعلاً، بيد أنّها غير موثقة او معروفة، فتتفاعل الذاكرة الجماعيّة مع كلتا الحالتين وتكون جزءاً مهماً من تاريخ شعب… كي لا ينسى.

    وللبنان ذاكرة حافلة، ذاكرة شاهدة على أمور كثيرة، بعضها معلن وبعضها مستتر أو منسي. بيد أننا، وفي زمننا الراهن، يجب علينا العودة الى جذورنا فنستنبط من ذاكرتنا الجماعية وتاريخنا لنرى اخطاءنا وامجادنا على حدّ سواء ونتحضّر للمرحلة الأصعب: الغد.

    أمورٌ كثيرة لا يتفق عليها اللبنانيون، غير ان الوعي الإجتماعي يتّفق على ثلاث نقاط أساسيّة خاضوها، موحدين كانوا ام منقسمين، ليصلوا الى النتيجة ذاتها:

    1 – الاحتلالات والوجود المسلّح على أرض لبنان، ونذكر في التاريخ الحديث: عثمانيين/ أتراك، فرنسيين، سوريين، فلسطينيين، اسرائيليين.

    2 – الحروب المدمّرة والصراعات الخارجية على أرض لبنان حيث قتل وهجّر اكثر من ثلاثين في المئة من سكّان هذا البلد (منذ عهد العثمانيين حتى جلاء الاحتلال الاسرائيلي من لبنان).

    3 – التفكك الإجتماعي والفرز الطائفي الناتجين عن سياسة بعض قوى الإستعمار مثل العثمانيين والفرنسيين.

    هذه الوقائع الحاصلة في تاريخنا نذكرها جيداً كشعب عايشها في شكل مباشر او سمع عنها الأساطير، واذا كانت هذه النقاط الثلاث هي النتيجة الحقيقيّة لوعي اجتماعيّ مبنيّ على ذاكرة جماعيّة، فيكون التحليل المقدَّم للمرحلة المقبلة على الشكل التالي:

    1 – لم تستطع أيّ دولة عربيّة كانت ام اجنبية أن تحمي لبنان، انما ادّى تدخلها الى ضعف لبنان اقليمياً وانقسامه داخلياً: فرفض أيّ وجود مسلّح أجنبي او احتلال للكيان اللبناني يأتي نتيجة لذاكرتنا الحيّة، واحتراماً لذاكرتنا الجماعيّة.

    2 – نبذ العنف الداخلي الذي كلّف لبنان غالياً، وغالباً استُعمل لمآرب خارجية حتى أصبح معلوماً وموثّقاً عبر التجارب انه لا يمكن أي طائفة ان تختزل دور الوطن.

    3 – إنّ تاريخنا المشترك حتّم علينا تغيير بعض القواعد الإجتماعيّة لكل طائفة، فترى تقارباً في العادات والتقاليد بين المسلمين والمسيحيين اللبنانيين قلّما تراه في باقي المجتمعات الإسلاميّة او المسيحيّة في العالم. وهذا التعديل/ التغيير بالذات جعل من سكان هذه الأمّة نموذجاً يحتذى به في زمن صدام الحضارات، بحيث لا يمكن دولة عنصريّة مثل اسرائيل ابداً فهم معنى التعايش مع الآخر المختلف. فإسرائيل العنصريّة لن تستطيع الصمود، واميركا “المتطوّرة” ستبحث دائماً عن صيغة تعايش مع “حقوق الأقليّات”. اما في لبنان، فكل طائفةٍ هي اقليّة وكلّ اقليّة تعرف الكثير عن الأقليّات الأخرى. فإن كانت ذاكرتنا الجماعيّة تحتضن كل هذه الوقائع، ألسنا فعلاً بمختلفين عن باقي شعوب المنطقة؟

    ج – سينتصر لبنان

    ذاكرتنا الجماعية تحتّم علينا المضيّ قدماً نحو مستقبل آمن، فلبنان ليس بكنيسة الإسكندريّة ولا بجامع بغدادي ولا بحيّ عربي في فلسطين المحتلّة ولا حتّى بشارع بروتستانتي في ايرلندا.

    لبنان هو لبنان! فإذا استطاعت طوائفه ان تثبت للعالم أن العيش مع الآخر ممكن، فحينئذ يكون قد انتصر لبنان، وسينتصر لبنان لينتصر الخير، ليرى العالم الأمل، ليعلم الإنسان اينما وجد أنه فريد وفرادته تحتّم عليه احترام فرادة الغير. الوصول الى هذا البعد الثقافي انما هو انتصار للإنسانيّة التي لا يحدّها زمان ولا تحدّها ذاكرة… لأجل كل هذا، يجب ان ينتصر لبنان.

    مارك انطوان زبال
    جريدة النهار
    18.01.2011

    Leave a Reply