• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    في الطريق إلى رئاسة غير آثمة

    هذا الرجل هو إبن النظام الحالي وصورة مناقضة له. جذوره في شجرة سياسية عَبَرَت الأجيال السياسية الثلاثة المتعاقبة على حكم لبنان أكثر من ثلاثة عقود. في كل منها كان ثمة أحد ما منها، وأحياناً أكثر من واحد. إميل لحود الكبير في الجيل الدستوري، وسليم لحود في الجيل الشمعوني، وجميل لحود في الجيل الشهابي. وفي الأجيال الثلاثة تلك، كان لأبناء تلك الشجرة مَن اقترب من ملامسة الرئاسة. عنيوا بالولاء للعهد وهم يدافعون عن النظام برمته، ويبرّرون خياراته. التصق إميل لحود الكبير ببشارة الخوري، وكان من غلاة معارضي تنحيه عام 1952 لتفادي السابقة. وكان سليم لحود أحد أبرز الأسماء التي رغب شمعون في ترشيحها لخلافته في رئاسة الجمهورية عام 1958 استكمالاً لسياسات عهده، قبل أن يباغته الموفد الأميركي الخاص روبرت مورفي بقرار انتخاب قائد الجيش اللواء فؤاد شهاب رئيساً، ثمرة تسوية بين واشنطن والقاهرة. بدوره كمال جنبلاط رشّح جميل لحود مرتين لرئاسة الجمهورية عامي 1964 و1970 أخفقتا لأن الزعيم الدرزي لم يصمد طويلاً في خياره.

    هكذا يأتي نسيب، إبن سليم وإبن إبن شقيق إميل الكبير وجميل، إلى انتخابات رئاسة الجمهورية من تجربة مألوفة في العائلة. لم يُكتب لأي من أبناء الشجرة تلك إلا أن يقف في ظلّ الرئيس، لا قربه: أن يكون خياراً في اللحظة الصعبة، لا أولوية. أن يكون، ربما، جزءاً من مناورة سياسية بارعة عندما تنهار الفرص الأخرى التي كان يشاؤها لأنفسهم الرؤساء والزعماء أولئك.

    كانوا كذلك الشيء ونقيضه. وعلى أهمية أدوارهم في صف خلفي وراءهم، اعتمد رؤساء الجمهورية من بين السياسيين المسيحيين على وجوه غير مارونية واجهة حكمهم: هنري فرعون الكاثوليكي وميشال شيحا البروتستانتي لدى الشيخ بشارة، وشارل مالك الأرثوذكسي لدى شمعون، وفيليب تقلا الكاثوليكي وفؤاد بطرس الأرثوذكسي لدى شهاب. لم يعتد الرؤساء الموارنة أن يصطفوا ورثة سياسيين موارنة.

    نسيب لحود هو إبن الجيل الرابع في هذه العائلة. لم يأتِ إلى النظام في أعقابهم كما أنسباؤه، وكل منهم دخل إليه بعد آخر – أو معه – من أجل متابعة الدور. انقطع حضور العائلة في النظام والحكم في سنوات متأخرة من الحرب بعد غياب فؤاد لحود، فلم يكن له وهو يدخل النظام الجديد المنبثق من اتفاق الطائف، أن يقطف منه ثمار التسوية لأنه لم يشارك في صنع الحرب والإنهيار وقتل «لبنان القديم». انضم إلى النظام كي يدافع عنه. سفير الطائف في واشنطن.

    على مرّ الحقبة السورية في لبنان، لم يؤتَ على ترشيح نسيب لحود لرئاسة الجمهورية في ظل مواصفات تطابق سواه. اختارت سوريا وحدها الياس الهراوي عام 1989، وإميل لحود عام 1998، وقرّرت وحدها تمديد ولاية كل منهما ثلاث سنوات. عندما مدّدت ولاية الهراوي لم تكن متيقنة من وجود ماروني لا يجعلها تجازف بوجود جيشها ودورها السياسي في لبنان. فانضم كل حلفائها، بلا استثناء، إلى تمديد 1995 بحماسة وتبرير من غير أن يشكو أحد ما من ضغوط عليه للمضي في هذا القرار. إسم حافظ الأسد كان يكفي الحلفاء جميعاً كي يقتنعوا. وعندما أرادت سوريا انتخاب خلف للهراوي، كانت قد تيقنت أنها وجدت المواصفات المثلى في اميل لحود: لا أن تكون السلطة السياسية على صورة الجيش، بل أن يمسي الرئيس في صورة قائد الجيش. وبعدما كان نسيب لحود في موقع مناوأة الهراوي، معارضاً تعديل الدستور لتمديد ولايته، أضحى في موقع المواجهة مع إبن عمّ والده سليم. اقترع ضد تعديل الدستور لانتخاب قائد الجيش، ولكنه صوّت لإنتخابه كي لا يستثني نفسه من إجماع النواب الـ118 على انتخاب خلف خيّل للبنانيين أنه سينقض عهد سلفه، فأعاد البناء عليه.

    حينذاك وُلِد تقليد غير مسبوق: زعماء الموارنة الأول هم حلفاء دمشق في الحكم. الحال نفسها لزعماء طوائف أخرى – كانوا قلة – لم يركبوا القطار السوري. مكان المعارضة على هامش السلطة، لا في قلب الصراع السياسي على غرار سني الأربعينات حتى منتصف السبعينات. بل على هامش التأثير في هذه السلطة. فإذا بالسياسيين والنواب المعارضين زعماء صف أول في مكان هامشي، وفي انتظار انقلاب الأحداث والأدوار.

    في واقع كهذا لم يتوقع نسيب لحود، على امتداد عقد ونصف عقد من المرحلة، توزيره ولا ترشيحه لرئاسة الجمهورية، ولا خصوصاً تقليل العراقيل من طريق وصوله إلى نيابة المتن. ولم يكن يتوقع أن يُصغى إلى أفكاره وخططه. كانت مشاركته في انتخابات 1992 نقطة ضعفه – وقوّته ربما – في موجة مقاطعة مسيحية جامحة للنظام على رأسها بكركي، قبل أن يُصوّب هذا الموقف بالمشاركة جزئياً عام 1996، ثم كلياً عام 2000. بذلك كان الرجل على طرف نقيض من ذرائع مجتمعه المسيحي – والماروني – في ذلك الوقت، وهو في قلب مخاوفه وهواجسه، وقبل أن يتأكد من أنه هو على حق.

    تحجّج المسيحيون بمقاطعة الإنتخابات للقول إنهم لا يريدون أن يعطوا حكم الهراوي وسلطة دمشق عليه شرعية شعبية واعترافاً مسيحياً. عام 2005 اكتشف المسيحيون المعارضون وحلفاؤهم متأخرين سنوات أن الشرعية تلك لا تُحجب عمّن يتسلطون عليها، بل تُنتزع منهم بالقوة. كانت بكركي قد اكتشفت عام 2000 خطأ المقاطعة. تلك الهدية الثمينة وغير المنتظرة لدمشق كي تستأثر بكل الأدوار والمواقع ومصادر السلطة في لبنان. انتقل البطريرك من المقاطعة إلى قيادة معركة الإستقلال والسيادة. بعد سنوات من خسائر راكمها المسيحيون المعارضون راحوا يقطفون ثمارها. كالبطريرك، كان نسيب لحود يقف مرة أخرى على طرف نقيض من الحقبة السورية: مع اتفاق الطائف حلاً متكاملاً غير مجتزأ، ومع احترام الدستور دونما مسّه، ومع انتخابات نيابية وفق قانون عادل، ومع توازن سياسي في السلطة التنفيذية، ومع وضع حدّ للتدخّل السوري في لبنان، ومع إصلاحات اقتصادية وخطط إنمائية لا تكون دمشق شريكاً سرياً فيها، ومع تداول ديموقراطي للسلطة، ومع جيش وطني لا تسيّره الإستخبارات العسكرية السورية ولا الهاتف الأحمر بين مكتبي العمادين حكمت الشهابي وإميل لحود.

    كل ذاك الذي خسر نسيب لحود، ومعارضون موارنة آخرون، معاركه لعقد ونصف عقد من الزمن، يرشّحه اليوم لاستحقاق 2007.

    ثم هل يحتاج ما سمعه نبيه بري من بطريرك الموارنة عن انتخاب رئيس لا يخجل حاضره، ولا مستقبله، من ماضيه شرحاً مستفيضاً؟

    لعلّ مغزى توبة بعض مَن يرشّح نسيب لحود للرئاسة، من حلفائه، أنهم كانوا بناة في الهيكل السوري في لبنان وآثمين فيه.

     نقولا ناصيف

    Comments are closed.