• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    الأسئلة التي تحاصِر

    السيد هاني فحص

    لا يخفي علينا هاني فحص ضيقه من حرّاس الذاكرة، يحفظونها ويدعونها تاريخاً او يمارسون عليها ألوان الرقابة، سافرة او متخفية. ولا يجنح إلى ابعاد الذكرى الجارحة او المجروحة عنّا ليحمينا معه مما يؤذي او يدمّر. ولا يترك لأحداث الماضي ان تلعب معه ومعنا اللعبة الخبيثة المعروفة، اي ان تعود اليه وإلينا من حيث لا نتوقعها بعد ما نتوهم او نوَهم أن النسيان ضرب صفحاً عنها. وبالطبع، لا يتلاعب السيد بالذاكرة ولا يضعها في مواجهة مع التاريخ، لا فرق اذا كان مدوناً او غير مكتوب. وينأى بنفسه عمّا يفعله عدد من أصحاب المذكرات، يرغمون الوقائع كما النصوص على الجري وراء نظرياتهم ووراء ثباتهم في الإعجاب بأنفسهم من غير ندم او شبهة ندم. وكأني بالسيد هاني، لفرط ما يؤسفه هذا الميل الى لي ذراع الماضي، لا يجد غضاضة بالتصريح انه مدمن ندم. وفي ندمه هذا حنين يشوبه قدر من السخرية الخفرة. والسخرية عنده تحجم عن البوح بما يعززها كي لا تتحول الى حكم قاس او رأي جازم، وهما ما لا ينفك صاحبنا يفلت من حبائلهما.

    وحنينه يجر المسافة وراءه ويظهر التطلع الى غد مشرق وكأنه مغامرة أو مخاطرة. ويمشي بنا برفق نحو ما احتجب عن مشهدنا اليوم وبيده كلمات تتوق إلى مدلولها الأول، في احتمالاته والتباساته، بعيداً من الدفق الجاهل والمشوش من التكرار لكلام في غير مواضعه. ونرى كتابته على هذا النحو اقتراباً واغتراباً يتدافع فيهما الارتجال والتأمل والبداهة والصناعة. وهي تلد مرة من جرح ومرة من زيارة مهذبة فيصير احيانا، وكما يقول محمود درويش “كالماشي تحت المطر… في شتاء آخر”.

    وفيما يمشي، لا يغيب عنه اننا في زمنين: زمن الحدث والمفاجأة وزمن المشاعر والنوازع والآراء. ولذلك تراه لا يختصر الايام في الاحداث ولا سيما في النزاعات على نحو يعيد اختراع الماضي، ويجعل منه صراعاً لا ينتهي ويحسب المواجهات الحاضرة استئنافاً لعداوات قديمة أو نتيجة لها. وفي لقاء الزمنين تارة، وفي التمييز بينهما طوراً، يتصل عنده لبنان بالعراق وبفلسطين وفلسطين بلبنان وجبشيت ببيروت وبيروت بكفرشوبا التي قال لي مرة أن أحد أبنائه حسبها بمثابة هدية تهدى، فسأله أن يأتي بها إليه.

    والاتصال عنده ليس اختلاطاً، وان بدا احيانا خلاف ذلك. ففلسطين تجمعنا من أجل لبنان الذي لا نرى خرابه عماراً لفلسطين. وبطبيعة الحال ليس في انزالها في منزلة القلب من مجمل حياته او مشاغله تفريط بهمومه اللبنانية او تنصل من انشغالاته العراقية. أكثر من ذلك، أنها تسير به منذ أواخر الستينات الى مصالحة واقعية ومبكّرة بين اللبنانية والعروبة، نعرف اليوم انها تسارعت عند البعض في السنوات الأخيرة. لكنه أدرك انها، الى واقعيتها، ظلت عند القوى السياسية هشّة وأخفقت في توحيد اللبنانيين حول مشروع الدولة واعادة بناء وطن لا يكون مرمى لاحجار طائشة في لعبة أقدار، ولا ساحة مفتوحة او أرض منازلة وغلبة وإلغاء. والمصالحة الاخرى المبكّرة عنده، والتي لم تتسارع اليوم بل تراجعت عند الكثيرين، تختص بالتوفيق بين محبة الجماعة الطائفية والتعلق بالجماعة الوطنية.

    لم يكره هاني فحص طائفته مرة واحدة، مثلما فعل بعض أصدقائه ورفاق نضاله مع طوائفهم فلم يتدبروا أمرهم ولا أمر لبنان معها. غير انه لم يُستغرق في الولاء لها، أو الانحياز الى مصالحها، الفعلية او المفترضة. ولم يقع في اسر عصبية تجعل منها كتلة متجانسة في وجه كتلة متجانسة أخرى وتدفع بها في طريق طلب القوة وتوسلها. ولم ير نفسه بصورة الواقف في صف جمهور، وقد استخدم مرادفاً له يشي بالانقياد والتماثل. وكانت له ممانعة قوية ضد انتظام حزبي يقوم لا على اعتناقه القضايا الكبيرة، وعلى التضامن الحر والاختيار الحر، بل يتطلب اذعاناً لم يجد نفسه في معظم الاحوال مستعداً له أو راضياً به.

    واستعان هاني فحص على الانتظام واطمئنانه الخادع بالسعي الى الحوار، لا سيما حيث يبدو غائباً أو واقعاً تحت ركام الكلام. فهو يقيه من الاختناق والعقم المبيد. والحوار عنده ليس زينة ولا زياً، ولا مجرد تخاطب، يتقابل فيه الكلام ازاء الكلام أو ضده، ويمهّد للتفاوض أو يستأخره. ولا يعد السيد هاني نفسه من محبي المناظرة، التي يمارسها البعض من أهل السياسة والإعلام وكأنها رياضة وطنية. وفي ما اختبرته معه لم يحب أن يناظر أحدا قط. بدا همه الأول أن يأتي الصواب على لسان سواه او على لسانه، حسب عبارة الامام الشافعي. ولنا في ما قاله عن اللعب مع اللغة كناية بالغة الإيحاء. ثم أنه يقول لنا أن في كتابه نصوصا تتعمد الخطأ وعلى أساس حساب الصواب خطأ، تقود الأخطاء الكثيرة الى الصواب، وتصل بصاحبها الى التمني بأن يخطئ في كل شيء، ولو كان ذلك في يده، ليتعلم الصواب في كل شيء.

    ونتعرف اليه، والتعرف بصديق مثل هاني فحص ليس له آخر ولا يُختصر في مجموعة فرص ومشاركات، فنجده محاصراً بالأسئلة حتى أنه يصف نفسه وكأنه كومة من الأسئلة كل واحد منها آخذ بعنق الآخر. صحيح ان كل سؤال ينفتح على سؤال، هكذا درجنا على القول لطلابنا حين يناقشون معنا خلاصة اطروحة او بحث، الا ان أهم ما فيه تعليق الأحكام القيمية ولو لحين، فمن دونه لا فضول ولا اصغاء ولا اكتشاف. ولربما طال هذا التعليق عند السيد هاني أكثر من عند سواه، لا سيما وانه لا يقسو على الناس وان خالفهم. فهو مشدود الى ما جاء في الآية الكريمة عن استباق الخيرات والتذكير بأن “إلى الله مرجعكم وهو ينبئكم بما كنتم فيه تختلفون”.

    وتخبرنا زيارة “ماضٍ لا يمضي” لا بقول أبي حسن أن الأسئلة تحاصره وتحرره فحسب بل بأن حياته اليومية أسئلة وحوار. وهو ما يظهر أيضاً في كلام لا حرج فيه ولا مداورة، عن زوجه وبناته وأبنائه، وعلى نحو غير مألوف بين أقرانه، ومعهم من يظنون أنهم أكثر حداثة أو انفتاحاً من غيرهم. كما يظهر في إشاراته الى ازدواج المواقف ومعانيها على صعيد المعاشرة الاجتماعية، مثل حالة التردد في السلام على من لا يريد سلاماً واختيار السبيل الأوفق لحفظ الهيبة، دون جفاف ولا اصطناع.

    وتأخذنا صفحات هاني فحص الى بعض الأماكن والأزمنة التي تبدو اليوم بعيدة، لكنها صارت وعلى يده قريبة. ولا أتردد في القول أنها ترتفع بنا الى أعلى، ولا أقصد مراتب الأفكار والمواقف بل معارج صدقه وصدقية حياته والجمالات، التي استحسناها أو التي غاب عنّا استحسانها. وفي الارتفاع الى صداقة محبة تزداد عمقاً، تحضرني صورتان للسيد في مرآتي أبيه وابنه. فالأول ما ابتاع شيئاً الا أغلى من ثمنه وما باع شيئاً الا بأقل من ثمنه وكثيراً ما اعتذر عن إساءة لم يرتكبها. أما الثاني فصرخ في وجهه ذات يوم: دلني على مسجد لا تهيمن فيه السياسة على العبادة حتى أذهب اليه، وأملي عليه درساً في ان الروحية التي تلتبس بالسياسة لا تلبث ان تنقلب الى ضدها، وان الهوس الديني يختزل وعداً بالزندقة.

    هكذا يعطي السيد هاني أباه وابنه ويأخذ منهما، وفي كرم عطائه كما في سماحة تقبّله، يكشف لخلاّنه بعض ما امتلأت به روحه.

    طارق متري
    جريدة النهار
    17.01.2011

    Leave a Reply