• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    هواجس لبنانية راهنة

    تقول الأسطورة المعزَّزة بقدر من الواقع، أو الواقع المعزَّز بقدر من الأسطورة، إنّ اللبنانيّ محسود في جواره.

    اليوم تعلو نسبة الأسطورة على نسبة الواقع.

    فاللبناني، الذي لا يحسده أحد اليوم على طائفيته وعلى المآلات الخطيرة التي تواجهنا بها الطائفية، يحسد التونسي، الذي تكشّف عن حركة احتجاج مطلبيّة لا تقسّمها الطوائف، غير الموجودة أصلاً في تونس. لقد كان شائعاً أنّ البلدين يتشابهان في أمور كثيرة، منها متوسطيّتهما، وتعرّضهما للأثر الفرنسي، ناهيك عن تعويل اقتصادهما، ولو باختلاف في المقادير، على التجارة والسياحة. إلاّ أنّ فوارق الواقع تبدو، في المنعطفات الكبرى، أكبر بكثير، لهذا فإنّ اللبناني التقدمي لا يسعه إلاّ التهليل للحدث التونسي الكبير، وإرفاق هذا التهليل بالحسد. فلنتخيّل مثلاً، جماهير لبنانية بلا طوائف تنزل إلى الشارع مطالبة بالخبز والحرية!

    وقد سبق للبنانيين كثيرين أن حسدوا الكويتيّين حين هبّ العالم لإنجادهم على أثر تعرّضهم لغزو صدّام حسين وجيشه قبل عشرين عاماً، ذاك أنّ الكويتيّين لم يمتلكوا الثروة النفطية فحسب، بل امتلكوا وحدة وطنية جمعت الكل بلا استثناء تقريباً، في مواجهة الغزو، فحين أنشأ الديكتاتور العراقي هيئة حاكمة تابعة له وتأتمر بأمره، بدا الأمر أشبه بنكتة سمجة. والكويت أيضاً، مثل تونس، لا طوائف فيها، ولا قضايا إيديولوجية تزعم الطوائف رفعها وتمثيلها فيما يكون الهدف فرض الغلبة على طوائف أخرى في البلد المزعوم واحداً.

    هذا الواقع، وهذه المقارنة، يحملان واحدَنا على الذهاب ضدّاً على قناعاته الأصلية، فإذا كان التعدّد نعمة نظرية، وإذا كان بلوغ المجتمع التعددي مطلباً تقدميّاً راسخاً، فإن طلب النقاء والصفاء يبدو في لبنان شرطَ البقاء الشارط، ذاك أن من لم يطوِّر للتعدّد ثقافتَه ووعيه وصيغ ممارسته الدستورية، سينتهي به المطاف إلى تفضيل النقاء والصفاء، لأنهما ربما كانا بديل العيش الدائم في الاحتراب الأهلي. أما الذي يريد التعدّد من دون ثقافته، ومن دون الحد الأدنى المطلوب من إجماعاته المفترضة، فلا يكون يطلب إلا الهيمنة الجلفة على الآخرين، بحيث يُذعنون له ولإرادته ولتأويله الأحادي لما هو صائب وما هو خاطئ، فكيف متى ترافق هذا مع طاقة سلاحية وتعبوية جارفة تتماسك الجماعة الطائفية حولها؟

    لكنْ ما العمل وهذا هو… الواقع؟!

    والواقع اللبناني يتكشّف اليوم في أسوأ صوره وأشدّها مأسوية، فنحن أمام طرحَين وطُموحَين يستحيل عليهما أن يتعايشا، كلٌّ منهما يجد في تحقُّق رغبات الطرف الآخر مقتلاً له، وهذا ما جلاه في أوضح الأشكال انهيار المداخلات الخارجية، العربي منها وغير العربي، وحركة الفرز التي تشقّ جميع القوى، التي لا تزال تقف في رقعة رماديّة ما. أما الذين يدهشهم أن نَدخل نفق اللاحكومة، وأن نعيش في لاسلطة، فيتكفّل التاريخ اللبناني الحديث بأن يدهشهم على نحو معاكس، من أننا في بعض المراحل عشنا في ظل سلطة وحكومة.

    حازم صاغية
    جريدة الحياة
    15.01.2011

    Leave a Reply