مع “لوريان لوجور” ظالمة كانت أم مظلومة
كثيراً ما يقال ان الصحافة العاملة في بيئة حرة تذهب بعيدا في توسيع حدود تلك “الحرية” وصولا الى الافتئات على حريات الآخرين. في لبنان كان هذا الكلام يقال عن الصحافة اللبنانية وعن ممارستها لحريتها الاعلامية التي اتهمت بسببها بالمساهمة في إشعال الحرب الاهلية! كأن الحياة السياسية اللبنانية لم تكن ارضا خصبة لاشتعال الحرب قبل ثلاثة عقود ونيف.
ويذكر المخضرمون ان البند الاول في جدول اعمال التدخل السوري في لبنان صيف 1976 كان الاعتداء على الصحافة، تارة عبر مهاجمة صحف مثل “المحرر” التي قتل منها صحافيون مناضلون وجرى اقتحام مبناها في رأس النبع، و”النهار” التي لم يقفلها عمليا لا انتداب ولا حكم استقلالي في ما بعد ولا حتى المكتب الثاني في ستينات القرن الماضي، وطورا عبر استهداف الوصاية السورية - التي انتهت احتلالا موصوفا للصحافة - بالقتل على نحو ما اصاب كبيرا من كبار الصحافة العربية سليم اللوزي رحمه الله الذي تصادف هذه الايام ذكرى اغتياله.
ومن لا يذكر كيف جرى تعذيب اللوزي، ثم الرسالة التي ألحقت بخطفه ثم بقتله بتذويب يديه بالاسيد كي يكون عبرة للآخرين؟
وبما اننا نتحدث اليوم عن الكبير سليم اللوزي لا بد من أن نتذكر كيف مُنع ألوف الناس بالترهيب من تشييعه، فخرجت مجموعة من رفاقه واصدقائه الشجعان وفي مقدمهم الرئيس الراحل تقي الدين الصلح لتقول: لا لإرهاب الصحافة!
وبعد سليم اللوزي لم يتورع السوريون عن اغتيال نقيب الصحافة اللبنانية رياض طه ابن الهرمل العروبي رحمه الله هو الآخر، مستخدمين أدوات من ابناء المنطقة للإيحاء أن طه قتل في حادث انتقامي محلي!
نسرد امثلة هي غيض من فيض الاعتداءات التي تعرضت لها الصحافة اللبنانية على يد الوصاية، وفي الوقت نفسه لا ننسى كيف انبرى بعض المسؤولين اللبنانيين لعقد صفقة على حساب الصحافة وحرياتها في مؤتمر الرياض الرباعي سنة 1976، وحمل مرسوم تقييد الاعلام اللبناني الرقم واحد في سلسلة المراسيم التي اصدرتها حكومة ما بعد “حرب السنتين”.
نسرد هذه العينة من الامثلة لنقول ان للصحافة في لبنان حكاية طويلة وصعبة مع الارهاب والترهيب. ومن يقلّب الصفحات الحاملة لوائح بأسماء العشرات من شهداء الصحافة اللبنانية، او الصحافيين الذين تعرضوا لمضايقات او تهديدات بالقتل لن يفاجأ إذا ما سمع ان صحيفة تعرضت لتهديد بسبب قيامها بواجبها في نشر الخبر والحقيقة من دون خوف ولا وجل.
في قضية الزميلة “لوريان لوجور” لا جديد نسبة الى تاريخ الصحافة، ولكن الغريب هنا ان ينبري طرف ميليشيوي في عهد “سلم” مفترض، لا بل في عهد يفترض ان تكون فيه القوانين وحدها وسيلة لفض الخلافات ليوزع التهديدات المبطنة في حق العاملين في الصحيفة، والطرف المذكور غافل عن حقيقة ان الصحافة الحرة في لبنان وان خشيت على سلامة العاملين فيها، لم يخفها يوما لا الاغتيال ولا التفجير ولا الاغلاق، فهي كانت قبل الميليشيا، وستبقى بعد ان تزول تلك الحالة المنافية لمعنى لبنان الحقيقي الذي لا يستقيم إلا بالحرية. من هذا المنطلق لا نخشى هؤلاء وان كنا نؤمن بأن جهة استهدفت مثقفين كباراً احدهم تسعيني طريح الفراش وقد فقد بصره، لن تمتنع عن استهداف أي صحافي يمثل الحرية وحق التعبير، اي نقيض ايديولوجيا الدوائر المحكمة الاغلاق التي تعجن ناسها بغية تحويلهم الى “ماكينات” كارهة لكل ما يرمز اليه لبنان التنوع، والتعددية، والحريات. وأهم تعبيراته الصحافة الديموقراطية الحرة الاستقلالية.
لا يكفي ان تتوسل حالة فاشيستية انتخابات ديموقراطية في ظرف معين لتكون ديموقراطية، ومثال اوروبا الاربعينات واضح للعيان. من هنا قولنا ان “لوريان لوجور” احسنت بعدم الخضوع إلا لحسّها المهني، وشغفها بالحقيقة والحرية.
وفي قضية النقيب الشهيد سامر حنا يدرك المعتدون كما الجيش نفسه ان حنا قتل برصاص غير شرعي، وغير فردي.
لقد قتل برصاص الدويلة. وما تسليم احد القتلة بحل حقيقي، انما انهاء هذه الحالة الشاذة التي لن تقدم لا للبنانيين ولا لبيئتها المباشرة إلا الدم والدموع والحروب التي لا تنتهي.
هذا بالنسبة الى “بيت القصيد”، اما التابعون فلا يستحقون نقطة حبر واحدة!
لذلك كله نحن مع “لوريان لوجور”، احد اعمدة الاستقلال اللبناني الاساسية… ظالمة كانت ام مظلومة!
على حمادة
جريدة النهار
06.09.2008


