• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    أزمة حكم، أزمة حكّام، أزمة مواطنين

    في المجتمعات المنقسمة على ذاتها بحسب خطوط الشرخ اللغوي (كسويسرا وبلجيكا)، أو الديني و/أو الأيديولوجي (كهولندا والنمسا)، ليس الانقسام المجتمعي النزاعي بالضرورة مرادفاً لغياب الاستقرار السياسي. فعلى حدّ ما يقول ألان روكيه، «إن المجتمعات التعددية تقوم على ضرورة إيجاد تسوية بين الشرائح الاجتماعية أو العائلات الروحية التي عليها أن تختار بين التعايش والمغامرة باحتمال تمزق الأمة وتشتتها».

    فتلك المجتمعات تجد نفسها مضطرة إلى الاختيار بين تسوية النزاعات مع مراعاة انقساماتها المحتومة وبين الحرب المدنية المباشرة أو المقنعة.

    وفي المجتمع اللبناني، إن الخطّ المؤدي إلى تسوية يأتي نتيجة حالة أزمة، أي حالة يصطدم فيها كل طرف من أطراف النزاع بحالة تعطيل إذا استمرّ في المطالبة بحلّ يتناسب حصراّ وأهدافه، أي حلّ نهائي وجذري.

    وقد بيّنت تجربة سنوات طويلة من الحرب في لبنان أنه لا يمكن أن يكون هناك غالب ومغلوب، أو قوي وضعيف كما هي الحال في الاستراتيجية العسكرية. لذا، وبدل التقوقع في حالة تشنج وانغلاق على الذات، تفضل الأطراف، التي تشكلت على أساس طائفي، عقد اتفاقات «ودّيّة» من أجل إيجاد حلّ للنزاع القائم.

    ونحن اليوم نتخبط في أزمة تتمثل في تفاوت عميق في وجهات النظر إزاء العدالة وسبل تحقيقها.

    فكل طرف يهول من جهته باللجوء إلى الشارع لاستعراض وتبيان ما يشبه ميزان قوى يتلاءم والمثل التي ينادي بها هذا الحزب السياسي أو ذاك ويحامي عنها.

    وفي هذا النوع من الديموقراطيات المعاصرة، نلاحظ من جهة وجود المواطن المثقف والواعي مقابل نخب واعية ومسؤولة من الطبقة السياسية من جهة أخرى. ويمكن أن نعتبر أن المواطنين أو النخب التي لا تنفك تتبادل التهديد، لا تتمتع بالوعي الكافي، وتلجأ إلى لعبة التراشق المستمر، ولكن هذه المواقف لا تؤدي إلى أي مكان. فالديموقراطية لا يمكن أن تقوم على تبادل التهم والإهانات.

    وكما نقرأ في الشرح الممتاز لبيار روزانفالون، بعد مونتيسكيو، ثمة غياب للتناسق في السيادة، حيث السيادة الإيجابية، التي ترجع إلى البرلمان والحكومة والسيادة التي يصفها البعض بالسلبية، أي سيادة الشارع التي تحكم من خلال حق النقض التي تشكل قدرتها العقابية.

    إن الديموقراطيات التي تدّعي النضج تنتظم انتظاما مختلف، خصوصاً مع غزوة التكنولوجيا الجديدة وتنامي الديموقراطية التشاركية.

    واليوم نحاول تحويل هذه السيادة «السلبية» إلى إيجابية، وهذا هو التحدي الأبرز للديموقراطيات المعاصرة التي يتعين عليها أن تبني وتنظم وتؤصل الديموقراطية التشاركية. ولا بدّ من فتح صفحة جديدة في تاريخ الديموقراطية.

    وإذا ما أردنا الخروج من هذه الحالة، فلا بدّ من الاعتراف بضرورة التعددية تلك وتكامل الشرعيات. فلا نكتفي بالنقاش وحسب، بل نتفاوض ونسعى إلى ما يُسمّى بالتسوية الديموقراطية. ولا يكون ذلك بقرار «منقوص وملطَّف» من قبل الجميع، بل يكون القرار متخذاً تشاركياً، ويضطلع بضرورة الإبتكار الديموقراطي. ويجهل الأطراف السياسيون الحاليون في لبنان هذا المعطى الجديد، زمن السيادة المشتركة، علماً بأنها من القيم التي أصبحت ذات أهمية.

    فتولّي زمام الحكم، سواء من الأكثرية أو المعارضة، لا يعني ممارسة الاستبداد. فللاستبداد صغار قومه وصغار الطغاة والمتغطرسين الذين لا باع لهم في فنّ الحكم. فالحكم يقضي بسوس الشعب وقيادته نحو أعتاب نعتبرها مفاتيح لتعزيز الديموقراطية.

    وفي هذا السياق، تبدو مسألة تضارب المصالح أساسية. فالديموقراطية هي نظام فصل السلطات. وكذا نصون الحريات. أما تضارب المصالح فهو نهاية فصل السلطات.

    ونحن اليوم وسط لغط كبير على هذا الصعيد. فمن جهة، يتبدى ائتلاف أحزاب سياسية تُعتبَر ضحية الاغتيالات السياسية التي تُقترَف منذ عشرين وثلاثين وأربعين وخمسين وحتى ستين سنة. ومن جهة أخرى، لدينا ائتلاف أحزاب سياسية تعتبر نفسها ضحية مكيدة عالمية من خلال العدالة الدولية. وهذان الائتلافان هما في السلطة. وبذلك، نشير إلى تنافر الأصوات وضوضاء الأنغام والإيقاعات التي يمليها تضارب المصالح. وهذا ما يحدو بالناس إلى النزول إلى الشارع في وقت هم يتفقون فيه على الغاية، أي العيش معاً بسلام.

    ويقضي عملنا كجامعيين وأكاديميين برأيي باستنباط وسائل جديدة لتنظيم الديموقراطية، والتفكير بتلك الاختلاقات الجماعية للمثالية. فماذا نرمي؟ لا «حكم الشعب»، الغالي على قلب الشعبويين، ولا طغيان الأكثرية، الغالي على قلب المحافظين، لا، أبداً. بل ما نرمي إليه هو صنع جماعي وتعددي للمنطق العام ولسلطة الدولة.

    نحن نؤمن بالأكثريات الموصوفة المواطنية التي يمكن أن تنشأ، على سبيل المثال، من خلال الشبكات الاجتماعية. ولعلّ الديموقراطية الجديدة تتمثل في بروز أكثريات موصوفة في النقاش العام، سواء بين النقابيين أو الجامعيين أو غيرهم.

    ونحن اليوم ما زلنا متأخرين عمّا أسماه جاك دولور «المجتمع المدني المنظَم». ما يضطرّنا إلى التساؤل حول الطرق الإصلاحية لبناء دولة لا تكون مجموع أحزاب سياسية.

    هذا هو السبب الذي يدعونا إلى الحديث عن أكثريات موصوفة مواطنية. فلا يمكن لطبقة مغلقة أو تكنوقراطية ما أن تحتكر الديموقراطية. فلطالما جرى الاستيلاء على الديموقراطية من خلال تحالفات عائلية ودينية سياسية. ولكن الديموقراطية لا تعني بعض أعضاء نادٍ سياسي، بل هي ترتبط بعلاقة أصيلة مع الإنسانيات. وعلينا أن نخصص الوقت اللازم من أجل العمل على منهجيات حكم جديدة، من دون الوقوع في «الحوكمة» الصامتة.

    إن ابتكار ديموقراطية الغد أمامنا. وهي تستند إلى سابقة قوية تتمثل في الميثاق الوطني للعام 1943.

    علينا أن نتعمق في معنى هذا الميثاق. فلا نخاف من استنباط أوجه تطبيقه. وكما كان هيراقليط يقول: «إن لم تسعَ إلى اللامؤمل، فلن تحقق شيئاً». أما أنا فأفضل ألا نعرف إلى أين نحن ذاهبون لأننا في حالة سعي إلى ابتكار أمر، على أن نكون على بيّنة من وجهتنا، أي الحائط المسدود، لمجرد أننا لا ننتج ابتكاراً.

    فادي فاضل
    جريدة السفير
    12.01.2011

    Leave a Reply