• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    إنهـا المـؤامـرة

    كم هي مريحة «نظرية» المؤامرة.

    مريحة ولكنها ليست بريئة وهي التي تصوّر وتتصوّر المؤامرات على شاكلتها. هي نظرية مغرضة من حيث لا تدري أحياناً، ومن حيث تدري تماماً معظم الأحيان. تخدم ذوي السلطة والثروة، وتخدم مَن يفترض أنهم هم المتهمون بحياكة… المؤامرات. لا تضرّ نظرية «المؤامرة» إلا الذين يصدّقونها من أبناء الشعب، إلى أن لا يعودوا يصدّقون. اليوم اكتشف هؤلاء في تونس أن المطالبة بالخبز والحرية تنفيذ لـ«مؤامرة». ومثلهم مَن هو مطالب منذ أيام بأن يقتنع أن حرق كنيسة قبطية في القاهرة «مؤامرة إسرائيلية». وما صدقوا تصديقاً بعد الآن.

    المشكلة في «نظريات» المؤامرة ليست أن المؤامرات لا وجود لها. ونحن منطقة تستورد المؤامرات المحوكة وتتعرّض لها بكميات هائلة. مشكلتها مشكلتان. الأولى أن نظرية «المؤامرة» نادراً ما تكتشف مؤامرة حقيقية، أو هي تكتشفها بعد فوات الأوان، بل بعد أن تنكشف. والمشكلة الثانية أن المؤامرات الحقيقية غالباً ما تفوق نظريات «المؤامرة» هولاً وبشاعة.

    نظرية «المؤامرة» الأثيرة عندنا هي مؤامرة سايكس ـ بيكو. وقد كانت مؤامرة بالفعل حاكها في السر دبلوماسيان بريطاني وفرنسي في حضور آخر روسي لاقتسام تركة السلطنة العثمانية. منذ ذلك الشتاء من العام 1917 التي كشفها بها ليون تروتسكي، بما هو مفوّض الشعب للشؤون الخارجية في الحكومة السوفياتية، صارت سايكس بيكو هي أمّ المؤامرات التي تنبئ بسائر المؤامرات، وتختزلها، فتتشكّل هذه كلها على صورتها ومثالها. استحكمت بنا «عقدة سايكس بيكو» بحيث لم نعد نرى من الوطنية والقومية إلا جدل الوحدة/ التفتيت، ولا نحن نلتقط من الإمبريالية إلا مؤامرات تفتيت الأمة إلى كيانات إثنية طائفية تبرّر وجود إسرائيل. وسايكس بيكو مريحة قدر ما هي مريبة. وأنت ساذج إن أنت سألت: لماذا المؤامرة هي هي لا تتغيّر منذ الحرب العالمية الأولى؟ وكيف أن المؤامرة دوماً «مكشوفة» ما دامت المؤامرة تعريفاً هي ما يحوكه أكثر من طرف واحد وينوي تنفيذه بشأن طرف ثالث من غير علمه وغالباً ضده؟ والأدهى: ما دامت المؤامرة مكشوفة فكيف أمكن أن تحقق كل هذه النجاحات؟

    «نظرية المؤامرة» فتاكة في السهولة التي بها تلغي التاريخ وتعطّل الذاكرة. دراسة حالة: السودان.

    تبدأ «نظرية المؤامرة» من الحاضر وتفسّره لنا على أنه استمرار، بل تكرار، لماض متواصل. هكذا فإن انفصال جنوب السودان، الراجح أن ينتج عن الاستفتاء الحالي، إن هو إلا تتويج لمؤامرة جارية منذ الاستقلال عن بريطانيا، يحوكها الاستعمار والإرساليات المسيحية الأجنبية. كأنه ما من زمن كان أقصى المتطرفين الجنوبيين فيه لا يطالب بأكثر من الحكم الذاتي والتنمية المتوازنة وبحصة للجنوب من عائدات النفط. وكأن تطورات الشمال وسياسات حكوماته على مدى نصف قرن من الوعود الخائبة والحلول المؤجلة والاتفاقات غير المنفذّة واثنين وعشرين عاماً من حروب دموية قضى فيها أكثر من مليوني آدمي، لا أثر لها في دفع الجنوبيين تدريجياً نحو تغليب خيار الانفصال، بعد عجز الفترة الفيدرالية الانتقالية عن تعزيز الخيار الفيدرالي بسبب أخطاء ومواقف من الخرطوم وجوبا.

    نظرية «المؤامرة» تعطّل الذاكرة. يتبخّر معها السودان الموحّد حين كانت انتفاضات الجنوب الروافع للتحرّر من حكم العسكر والعودة إلى الحكم المدني في البلد كله. وتنسينا «المؤامرة» في المقابل دور الحكومات العسكرية في تأزيم العلاقات بين شمال وجنوب وفي تغليب الخيار العسكري. هو الجنرال عبود مَن قرّر عام 1958 فرض يوم الجمعة يوماً للتعطيل في الجنوب بدلاً من يوم الأحد. وهو جعفر النميري، الذي اعترف بحق الجنوب في الحكم الذاتي، عام 1973، وأسهم في وقف الحرب لعقد من الزمن، قبل أن يرتد على الاتفاقية فيقسّم الجنوب إلى ثلاثة أقاليم ويقرّر تطبيق الشريعة على عموم السودانيين. وهم العسكر الإسلاميون الحاكمون حالياً الذين استولوا على السلطة ضد حكومة الصادق المهدي المدنية وارتدوا على اتفاقية أديس أبابا للعام 1988 التي نصت على تجميد تطبيق الشريعة وتقاسم السلطة والثروة بين الشطرين.

    كل هذه الذاكرة المشتركة، يريد «مؤتمر الأحزاب العربية» في الرباط محوها إذ يوازي بين انفصال الجنوب وقيام دولة إسرائيل. وفي عرفه أنه قد قضي الأمر بقرار الجنوبيين الانفصال. فلا يفكرن أحد بالتقريب بين شمال وجنوب ولا بالسعي للعودة إلى رابطة فيدرالية تجمع بينهما هذه المرة على أساس المصالح المشتركة، أو ببذل جهد لتسوية النزاعات القابلة للانفجار حول دارفور، وأبيي، وحقول النفط العابرة للحدود، والمديونية، والمليون ونصف المليون من الجنوبيين الساكنين في الشمال وغيرها. فلعلنا نشهد قريباً حركة لمقاطعة جنوب السودان على غرار مقاطعة إسرائيل. وقد باتت هذه الأخيرة مخروقة مثل المنخل بألف تجاوز وخرق من مصر كامب ديفيد وأردن وادي عربة إلى آخر دويلة نفطية ـ غازية.

    كم هي مريحة «نظرية» المؤامرة للحكّام. تسمح للحاكم بأن يعلن عن نفسه كاشفاً للمؤامرة ما يؤكّد حكمته ودهاءه ويبرّئه من أي ذنب أو مسؤولية أو محاسبة ما دامت المؤامرة «مؤامرة». صرّح عمر البشير بأن انفصال السودان «مؤامرة صهيونية عالمية ضد السودان» وأعلن أنه كان على علم بمخطط تفتيتي يتعدى السودان إلى عدد من الدول العربية. لم يذكر البشير في المؤامرة الطرف الأميركي النافر الحضور في تأييد الانفصال السوداني وتيسيره. ولا ذكر الرئيس السوداني المطارَد من القضاء الدولي لماذا قرّرت واشنطن فجأة رفع اسم السودان عن لائحة الدول الداعمة للإرهاب. وهو لن يكشف لنا طبعاً عن مفاوضات قد تنتج عنها صفقة تمرير الانفصال في مقابل المحكمة أو مجرّد بقائه في الحكم. فلعل حديث «المؤامرة» هنا يخفي مؤامرة حقيقية. مهما يكن، مع أن البشير عليم بالمؤامرة الصهيونية، إلا أنه يعلن جهاراً نهاراً أنه لا يخشى من علاقات تقيمها حكومة جنوب السودان مع إسرائيل. ولا من سائل يسأل: ما مصدر كل هذا الاطمئنان ما دام هو كاشف «المؤامرة» و«المخطط» معاً؟

    ثم صدّق أو لا تصدّق أن ما سُئل عنه البشير، من بعض السياسيين والإعلاميين، هو الكشف عن أسماء البلدان العربية المرشحة لتكون ضحية «المؤامرة» و«المخطط»!

    فكم أن فكرة «المؤامرة» مريحة للكسل الفكري وللعجالات الصحافية التي تقرّش الكلمة فيها حسب سعر برميل النفط. المؤامرة مستمرة منذ سايكس بيكو. وتأكيداً للتواصل بين سايكس بيكو وبين انفصال جنوب السودان، يستخرج إعلاميون وسياسيون ومدوّنون على الإنترنت خريطة لتقسيم «الشرق الأوسط الكبير» نشرها ضابط أميركي متقاعد منذ أكثر من عامين.

    لا يبدو أن الرجل شغوف جداً بتوسعية إسرائيل. فلن يروي غليل المتعطشين إلى رؤية الدولة الصهيونية تتسع رقعتها على خرائط التقسيم. الواضح أن همّه إعادة تقسيم المنطقة بناء على رؤية إثنية، مذهبية، دينية، لا تزال محكومة بالغضب الأميركي على العربية السعودية لتصديرها الإرهابيين إلى نيويورك في 11 أيلول 2001.

    فصدّق أو لا تصدّق أن الولايات المتحدة ترغب في تقسيم دولة السلالة الحاكمة الأقرب إليها من بؤبؤ العين إلى ثلاثة أجزاء ووهب أحدها إلى خصوم السعوديين التاريخيين، السلالة الهاشمية الحاكمة في… الأردن! وعليك أن تصدّق الخريطة بأن أميركا سوف تبني كردستان الكبرى على حساب النظامين الحليفين في تركيا والعراق. وعليك أن تصدّق أيضاً أن أميركا عند المفاضلة بين سورية ولبنان، سوف تؤثر بلاد الأرز، فتقتطع ساحل سوريا على البحر الأبيض المتوسط وتهبه للبنان ليستكمل بذلك وحدة «الساحل الفينيقي» (وعليك أن تنسى طبعاً أن الساحل الفينيقي كان يصل إلى غزة وما بعد غزة). أما الهدية الكبرى في تلك الخريطة فهي التي سوف تهبها الولايات المتحدة إلى إيران الجمهورية الإسلامية من خلال فصل جنوب العراق، ومخزونه الهائل من النفط، وتحويله إلى كيان «شيعي» مستقل يصير امتداداً لإيران تهيمن به ومعه على كامل خليج النفط والثروات!

    لم يتنحنح إلى الآن صحافي أو مفكّر أو مؤرّخ ولا عكس أي منهم عطسة واحدة، أو مدّ أحدهم رجله، تعجباً أو تشكيكاً تجاه هذه الخرطة المسماة خريطة.

    وقف المفكّر العربي الكبير ياسين الحافظ ذات مرة أمام نظريات «المؤامرة». وقدّم اقتراحاً يضيء نقدها ويقترح البدائل. دعانا إلى أن نستبدل «مؤامرة» بـ«مصالح». وأردف داعياً إلى أن نبلور مصالحنا الوطنية والقومية والديموقراطية والاجتماعية ونناضل من أجلها.

    لا حاجة لمزيد.

    فواز طرابلسي
    جريدة السفير
    12.01.2011

    Leave a Reply