• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    الخيارات المتاحة أمام إخفاق الحكومات العربية

    حان الوقت للتحدث عن الخيارات المتاحة أمام إخفاق الحكومات والمعارضة في وضع الدولة والوطن قبل كرسي السلطة وان تبدأ ورشة تفكير جدية في البحث عن «ماذا نفعل؟». ماذا نفعل إزاء انحسار المعركة السياسية إلى معركة سلطوية بين قوى الأمن التابعة للحكومات وقوى الميلشيات الرافضة للحكومات التي تزعم أنها البديل الأفضل. الأكثرية العربية، على رغم شحن مشاعرها وعواطفها العابرة، لن تختار حكم التطرف الديني بدلاً من الحكم العسكري السائد كأمر واقع في معظم الدول العربية، مهما بلغ استياؤها وغضبها من الحكومات التي تُحبط الشعوب يومياً. النخبة العربية مشتتة، منقسمة، بعضها موظف وبعضها ضائق وبعضها ينفّذ برامج الحكومة أو المعارضة لأنه بدوره يرغب في السلطة. أكبر الإساءة وأفظعها هو ما تزعمه هذه النخبة من تضامن مع الناس – لا سيما تلك النخبة التي تريد التغيير الحكومي عبر معارضة دموية، دينية، طائفية، متطرفة أو معارضة تجمع كل تلك الصفات. حان الوقت لفضح تلك «النخبة» ولإطلاق الأصوات التي تؤمن بالتعمير وليس بالتدمير. وهذا يتطلب الشجاعة – شجاعة النخبة التي تريد أن تلعب دوراً بنّاءً لكنها إما خائفة، أو حريصة على مصالحها الشخصية، أو قصيرة النظر تكتفي بمراقبة المعركة بين الحكومات والمعارضة التي تسبب انهيار الدولة أو تقسيم البلاد أو الانفصال أو حتى شرذمة الأوطان. وهذا بالتأكيد ليس مجرد خطة خارجية حصراً أو مؤامرة على العرب مهما ساهم الخارج فيها. إن من ينفّذ هو عربي أو مسلم أو شرق أوسطي، ومسؤوليته ليست أقل من مسؤولية القوى الخارجية. المنطقة العربية اعتادت انتظار القائد الذي يُحدِث التغيير. وربما حان الوقت لورشة تفكير في تعددية القيادة بمعنى الكف عن انتظار الفرد الواحد والعمل على بناء الدولة. بالطبع، إن بناء المؤسسات يشكل أبرز أسس بناء الدولة، إنما اليوم توجد حاجة ماسة إلى تشخيص طارئ لما يحدث في البلاد العربية من تقسيم وانفصال وشرذمة من أجل الإسراع إلى وضع سيناريوات «ما العمل؟». توجد ضرورة مُلحة لتشخيص ما يحدث للمسيحيين في البلاد العربية على ضوء المجازر في الإسكندرية والعراق وعلى ضوء نجاح «حزب الله» في استيعاب قيادة مسيحية في لبنان اسمها ميشال عون. حكومة الرئيس السابق أنور السادات وحكومة الرئيس الحالي حسني مبارك تبنّت أسلوب استيعاب «الإخوان المسلمين» عبر «المزايدة» عليهم تديّناً وتطرفاً اجتماعياً، فأتت النتيجة عكسية ولقّنت درساً صعباً. السودان على وشك التقسيم عندما ينفصل جنوبه المسيحي عن شماله الذي يريده الرئيس عمر البشير إسلامياً صرفاً يحكم على أساس الشريعة. وباسم الكرسي بات اليمن مهدداً بالعودة إلى الانفصال بل ربما التشرذم ما لم تبدأ الحكومة والمعارضة المتعددة الهويات بوضع الدولة قبل السلطة. أما فلسطين فإنها ضحية المعارك على الكرسي حتى قبل أن تخلق الدولة. فما العمل؟

    كبار رجال القطاع الخاص في المنطقة العربية في ملل من السياسة لكنهم يقرون في أن أشغالهم لن تتيسّر من دون علاقات جيدة مع الحكومة في البلد الذي يعملون فيه. الأمر نفسه ينطبق على علاقات بعض رجال الأعمال بالمعارضة في البلد المعني، بما في ذلك مع المعارضة المتطرفة دينياً أو طائفياً أو التي لجأت إلى بناء الميلشيات المسلحة.

    لو أُجريت استفتاءات في الدول العربية اليوم لأثبتت أن الشعوب تريد حكومات أفضل لكنها لا تريد معارضة سلطوية دموية متطرفة ولا تريد أن يحكم الإسلاميون المتشددون.

    الجمهورية الإسلامية في إيران هي عند العرب مجرد «فشّة خلق» عندما يتعلق الأمر بإسرائيل فقط. أما عندما تتعلق المسألة بنوعية الحياة في البلد المعني، فالأكثرية العربية لا تريد نموذج طهران بل تفضل نموذج أبو ظبي ودبي واسطنبول وبيروت.

    ما حدث للإسكندرية وللقاهرة مؤلم لأنه أتى على المدينتين بظلام طهران الاجتماعي بعدما أحدثت الثورة الخمينية أكبر انتكاسة للحداثة في منطقة الشرق الأوسط وأطلقت منافسة التزمّت الديني فيها. باتت الإسكندرية تنافس طهران في الحجاب والنقاب وتحوّلت المدينة العريقة في انفتاحها والرائدة في الحضارة والحداثة، إلى مشروع اهتراء لولا إحياء تلك المكتبة الرائعة – مكتبة الإسكندرية – بقيادة رجل متنور ورؤيوي هو الدكتور إسماعيل سراج الدين. جاءت تلك المكتبة صرخة ضوء في ذلك الظلام، لكنها لم تتمكن بمفردها من الحؤول دون الانزلاق الاجتماعي نحو طائفية مفجعة تمثلت في مجزرة الكنيسة قبل أيام وتنذر بأفظع إذا لم تُتخّذ إجراءات صارمة.

    الحكومة المصرية لم توزّع النقاب والحجاب على نساء مصر لكنها لم تفكّر في العمق المطلوب لمعاني هذه الظاهرة وكيفية معالجتها كي لا تتحوّل إلى تطرف ديني والى طائفية. انصبت على الإجراءات الأمنية ضد التطرّف والإرهاب ونسيت أن أهم حليف لها في هذه المعركة هو الاعتدال في الصفوف الشعبية والنخبوية، وهذا أسفر عن ابتعاد هذه الصفوف عن الاعتدال.

    لم تعمل الحكومة على رعاية وتهذيب تلقائية عدم استعداد الناس لتقبّل التطرف كي يصب ذلك في مصلحتها ومصلحة الدولة. لم تتنبه إلى مخاوف الناس من الإسلاميين في الحكم، فخسرت قاعدة مهمة لها كان يمكن – وما زال ممكناً – أن تكون حليفة إذا أحسنت الحكومة إصلاح ما أفسدته. وأول ما عليها الإقرار به هو أن الشعب لم يعد تلقائياً معها وان بعض النخبة بات بعيداً من الاعتدال، إنما مع «ولكن». لكن هذا القطاع من الشعب لا يريد البديل الذي يقدمه الإسلاميون وهو يتمنى مفاجأة غير اعتيادية تعيد التركيز على الوطن والدولة أولاً.

    انفصال جنوب السودان المتوقع ما بعد الاستفتاء يتزامن مع أحداث مصر صدفة، ما لم تكن مجزرة الإسكندرية رداً مدروساً على الانفصال الذي بدوره يشكل صفعة لمصر. فالسودان، من وجهة نظر مصر، كان دائماً دائرة نفوذ لها وقد يؤخذ تقسيمه على أنه خطوة أخرى في مسيرة تقزيم أدوار مصر الإقليمية. هذا التقزيم بدأ بعدما حذفت مصر نفسها من المعادلة العسكرية الاستراتيجية مع إسرائيل عبر اتفاقية «كامب ديفيد». سورية دمّرت ما تبقى من تلك المعادلة عندما دخلت طرفاً وحليفاً مباشراً في حرب الخليج الأولى التي نسفت العراق من المعادلة الاستراتيجية مع إسرائيل، فوضعت حسابات النظام فوق ما اعتمدته أساساً من مقوّمات وسياسة الدولة.

    معارك الأدوار الإقليمية تقع اليوم في العراق وفلسطين ولبنان في الدرجة الأولى. لبنان يتصدر حالماً واجهة هذه المعارك، بما فيها معركة استبعاد مصر عن دورها الإقليمي. في الوقت ذاته إن سيادة الدولة مبتورة في لبنان أساساً بقرار إقليمي تقوده سورية وإيران و «حزب الله»، وبلغة السلاح وتحت عنوان «المعارضة» للحكومة. إنما الحكومة أيضاً مسؤولة عن بتر صلاحيات الدولة لأنها لا تتصرف بمقام وصلاحيات الدولة وإنما بتموضع للحكومة لاحتفاظها بالسلطة.

    في فلسطين يحدث الانقسام والاقتتال والانفصال ليس من أجل «الدولة» التي لم تبصر النور بعد، وإنما من أجل كرسي الحكم. «حماس» تريد ذلك الكرسي إنما الشعب الفلسطيني لا يريد إمارة إسلامية ولا يريد أن يكون ضحية «مقاومة» الأقوال التي تستخدمه وتقدمه قرباناً بقرار من فصائل فلسطينية تتخذ سورية ولبنان مقراً لها وتنفّذ غايات إيرانية على حساب الفلسطينيين.

    الانقسامات الإسرائيلية تبقى دوماً، عكس الانقسامات العربية، في خانة الاحتواء باسم الدولة أولاً، مهما كان. فما بين المنافسة وتوزيع الأدوار، تأخذ الكرسي المعقد الخلفي بعد أولوية الدولة.

    الرئيس العراقي السابق صدام حسين كان قادراً على إنقاذ العراق من الحرب لو لم يضع النظام فوق وقبل العراق. عراق اليوم ما زال يتأرجح على رياح الطائفية والدموية بسبب ذلك المرض الخبيث الذي يجعل رجال المنطقة العربية مدمنين على كرسي السلطة حتى لو كلّف ذلك الوطن والدولة.

    مأساة السودان المتكررة قد تأتي عليه باقتتال من نوع آخر بعد الانفصال – اقتتال القبائل في الجنوب بين بعضها واقتتال داخل عمق الشمال أيضاً تمسكاً بالسلطة والمال.

    فما العمل؟

    الحكومات هي التي يمكنها إنقاذ الوطن والدولة إذا استيقظت حقاً من كابوس تمسكها السلطوي بالحكم وأخذت حليفاً لها الشعوب والنخبة التي تتوق إلى الإصلاح وليس إلى الانقلاب.

    راغدة درغام
    جريدة الحياة
    07.01.2011

    Leave a Reply