• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    أكذب عليك

    تراودني رغبة عارمة في أن أكذب عليك، وأزعم أنني نادراً ما أفعل. لكن اليوم الأخير من السنة يربكني، تعتل رصانتي، ويتوارى الرقيب المقيم في دماغي. أحار في التعامل مع هذا اليوم، هل أسميه العكاز الاخير في السنة التي تستعد لاستكمال انتحارها؟ هل أسميه الرصاصة الأخيرة في قبضة محارب منهك يطوقه الظلام؟ تربكني الإقامة على حافة السنة المقتربة، وحافة الغربة، وحافة الوطن، وحافة الحرب الأهلية، وحافة الدولة المتآكلة، وحافة الدم والثأر، وحافة الظلام الذي يبتلع الكتب والعيون، والمدن والأرياف، والشاشات والجامعات.

    تراودني رغبة في أن أكذب عليك كما كذب علينا يوم كنا نصدق. الصحافيون الذين نزعوا اللجام، والكتّاب الذين هرّبوا الأحلام إلى قرائهم، والشعراء الذين تمردوا على القواميس الآسنة، والمفكرون الذين قالوا إن الانحطاط ليس قدراً، والانحدار ليس قدراً، والتهرؤ ليس قدراً. وإن البيت العربي لن يبقى مخلعاً او مستباحاً. وإن الأمة ستنهض من غفلتها. وإن مدارسنا لن تكون معتقلات للمخيلات. وإن جامعاتنا لن تنتج الجيوش الضريرة. وإن الأيام المقبلة أفضل من الأيام المتوارية.

    تراودني رغبة في أن أكذب عليك، وأن أكرر لعبة من كذبوا علينا، وأن اقول لك إن الغد سيكون أفضل من البارحة، وإن العربي لن يذهب الى الفتنة اذا استدعته، ولن يفتك بجاره في الحي او المدينة او الوطن، ولن يسمح للغة الماضي بتفخيخ أطفاله، ولن يتناول اقراص الهياج التي تقوده الى النحر والانتحار، ولن يرى الآخر عدوّاً، ولن يعتبر كلَّ اختلافٍ فرصةَ اصطدام، ولن يسمح للأوهام القاتلة بالإقامة في عروقه. لن يعتبر مدن الآخرين اعتداء على وجوده، ولا جامعاتهم انتهاكاً لهناءة طمأنينته الشاسعة. لن يعتبر كل جديد خنجراً او مؤامرة.

    لن أفرط في الكذب عليك. لن اقول مثلاً إن الوئام الخالص سينتاب العلاقات العربية – العربية، وإن الأجواء ستزدحم برفوف الحمام الزاجل يحمل رسائل الحب والهيام. لن اقول لك إن مصانع الجيوش الضريرة ستقفل ابوابها، وإن المشعوذين سيعانون من البطالة، وإن المنجمين سيتوقفون عن استحمار المشاهدين. لن اقول إن المدن ستغرق في حرير التعايش والتعاضد، وإن رفوف السياح ستتحلق حول النوافير، وإن المتعصبين لن يغرقوا في دماء الأبرياء، وإن كواتم الصوت ستتقاعد، وإن الاغتيالات صارت من الماضي. لن اكذب الى هذه الدرجة.

    أعرف عزيزي القارئ أنك تعرف، وأن الخيبات اقتلعت انياب حلمك، وأنك تعتقد ان كل قاع يدفعنا الى قاع، وأن كل منحدر يسلمنا لمنحدر أشد، وأن كل هاوية ترمينا في هاوية أدهى، وأنك لا تطالب بأكثر من خبز كريم، ومياه صالحة للشرب، وفرصة عمل مقبولة، وشرطي عادل، وقضاء نزيه، ومؤسسات تقيك العاصفة بدلاً من ان تحالفها ضدك. أعرف أنك لا تطالب بأكثر من الحد الادنى لتتجنب ذل الوقوف امام السفارات او الفرار في قوارب الموت.

    على رغم كل ما تقدم، يخالجني شعور أن المقبل لن يكون اشد فظاظة. ربما لاعتقادي أننا بلغنا حضيض الحضيض، وأن رحلة الانحطاط طالت، وأن روح الأمة لا يمكن ان تستمر في الاستقالة، وأن اجيالاً جديدة ستطرح اسئلة جديدة وستقرأ المأساة بما يساعد على الخروج منها، وأن اسئلة الكرامة والحرية والحق في الحياة والتقدم والتفاعل ستؤدي في النهاية الى فتح نافذة في جدار الظلم والظلام.

    في اليوم الأخير من السنة، تمر في بالي الصفحات الاولى من «الحياة». تنتابني رغبة في الاعتذار. لا التفجيرات تغيب ولا الجنازات. سممنا أيام القارئ بآلاف الجثث، من صعدة الى وزيرستان مروراً بمحطات كثيرة. أحاول في اليوم الاخير التكفير عن ذنوب الناقل لا المرتكب، لهذا نحاول إضاءة شمعة حتى ولو اتهمنا القارئ أننا نكذب عليه.

    غسان شربل
    جريدة الحياة
    31.12.2010

    Leave a Reply