• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    الحاجة – ولا مؤاخذة – للضمير الوطني

    اصبحت الأزمة اسيرة ذاتها. وبذلك اصبحت عقيمة، عاجزة عن توليد حلول. ادخلتها سوريا في اطار بحثها عما يمكن ان تكسبه من المساهمة في التهدئة قبل صدور القرار الاتهامي وبعده، كما ادخلتها ايران في بازار المفاوضات بينها وبين دول مجموعة الـ5+1. لا تجانس مواقف بين دمشق وطهران، لكن لا تمايز ولا تعارض. كلاهما يسعى الى ابعاد كأس الاتهامات عن “حزب الله”، وكلاهما يعتقد ان “الانسب” ان يبادر الرئيس سعد الحريري الى اصدار موقف يبرئ فيه “حزب الله” مستندا الى “التسريبات” والى “شهود الزور” والى فتوى المرشد علي خامنئي في شأن المحكمة الدولية، اي الى جملة عناصر غير مقنعة لا يمكن لأي كان، سواء كان ولي الدم ام لم يكن، ان يأخذ بها.

    اقصى ما يمكن توقعه من الحريري، هو ما يمليه عليه الواجب، وطنيا واخلاقيا ومعنويا، وليس ما تمليه عليه حملات التشويه او ضغوط “الخائفين من المحكمة” الذين اشار اليهم المدعي العام دانيال بلمار. فهؤلاء ليسوا خائفين من “تسييس” المحكمة بل من ان تكون اتهاماتها مبنية على ادلة وشهادات موثوق بها، اي من ان تكون عملت بشكل مهني وسفّهت الادعاءات المساقة ضدها. ومن الواضح ان كل المآخذ التي ترشق بها المحكمة، او التحقيق، تعود عمليا الى عهد ديتليف ميليس الذي لم يبق منه سوى القليل في ملف التحقيق، اذ نقضه سيرج برامرتس ثم بلمار وأعادا بناءه من نقطة الصفر تقريبا.

    امام المسعى السعودي – السوري نحو شهرين لانجاز ما اصبح يسمى “تسوية داخلية” قبل صدور القرار الاتهامي، ورغم وجود تفاهمات مبدئية بين الرياض ودمشق الا ان الدوافع والمقاربات تختلف. اكثر ما يتبدى ذلك في الموقف من المحكمة الدولية، فحتى لو كان الجانب السعودي غير متمسك بها او غير واثق بصدقيتها، الا انه لا يستعديها او يحمل عليها، فهي بالنسبة اليه امر واقع لا بد من المرور به لقلب صفحة الاغتيالات. اما الجانب السوري فموقفه من المحكمة معروف، ولا يكلّ حلفاؤه اللبنانيون من الالحاح على الغائها، لانه غير واثق تماما من انعكاسات قراراتها عليه حتى لو لم تضعه في خانة الاتهام المباشر.

    تكمن اهمية المسعى السعودي – السوري في ان طرفيه يمثلان واقعيا طرفي القضية: اهل الضحية واهل من يُعتقد انه الجاني. وبالتالي فان حوارهما لا يمكن، كما نتصور، ان يتوصل الى اكثر من حل براغماتي: استباق التداعيات ومنع الفتنة المسلحة ووضع “خريطة طريق” لكيفية تحمل كل طرف مسؤوليته. ولعل الشرط الحاسم لهذا الحل ان يأتي القرار الاتهامي واضحا ونظيفا. اما الشرط الآخر فيتوقف على مدى اقتناع، او اقناع، كل طرف بالاكتفاء بما هو منصف له، فلا تجهيل للحقيقة او طي للعدالة، وفي المقابل لا ظلم للمتهم او تسييساً للاتهامات. ذلك ان مصلحة الجميع، بل مصلحة البلد، تتطلب ان يعض كل طرف على جرحه، تفاديا لكارثة تضرب الجميع من دون استثناء.

    هذه ازمة لا تحتمل التهور والعنتريات والمغامرات، والاهم انها لا تعالَج بالامعان في التضليل. هي ازمة تستدعي اكثر من اي وقت مضى ما يمكن ان نسميه – بعد الاستئذان من المهووسين بـ”المؤامرة” – “الضمير الوطني”. هذا الضمير المسحوق والمقتول، الذي تسبب تغييبه بكثير من الاذى للجميع، وحتى بفقد البلد مناعته وقدرته على مواجهة ازماته. وفي عظته الميلادية طرح المطران الياس عودة سؤالا ممضّاً: “متى يصبح لنا في الوطنية مفهوم واضح وفي العمالة مفهوم واضح؟”، وهو سأل ايضا: “اذا كان الجميع يرفض الفتنة فكيف ستقع؟”… نعم، مؤلم ومذهل هذا التداخل – الى حد التماهي – بين الوطنية والعمالة، بل هذا التباهي الذي يبديه البعض في عمالتهم، حتى لم يعد هناك اي امل في استعادتهم منها بعدما اصبحت سببا لوجودهم. اما كيف تقع فتنة يرفضها الجميع، فقد رأى اللبنانيون ذلك من قبل، وفي الحال الراهنة هناك من يتوعد علنا بالفتنة في معرض رفضه لها.

    لعل في العودة الى استنهاض “الضمير الوطني” تذكيرا بأن هذا العامل الايجابي هو ما كان يجب ان يتبقى لنا في زحام المؤامرات، فليس جديدا ان هناك مؤامرات، لكن بعضا وبعضا آخر منا افدح في الخطأ، اذ اعتقد ان الانخراط في مؤامرات هؤلاء هو الاسلوب الانجع لمواجهة مؤامرات اولئك. انه بالاحرى الاسلوب الانجع ليصنع كل طرف لبناني من نفسه ضحية هؤلاء واولئك في نهاية المطاف. لكن اي طائفة لا تستطيع ان تضمن امنها وامانها، او ان تحقق ذاتها وطموحاتها، الا في اطار مشروع وطني تتفاعل فيه الفئات كافة وتتعاون على صون الدولة ومؤسساتها.

    بعد عقود من الحرب الاهلية، السافرة والمقنّعة، اصبح واضحا للبنانيين ان الدولة هي ملاذهم الاخير. وما نشهده حاليا هو تخريب وتلاعب بمصير هذه الدولة، بل هو اسوأ انجازات “المؤامرة” بأيدي فرقاء لبنانيين، اما الاسوأ منه فهو الاصرار على ضرب التعايش الذي لا بد منه. ولا يمكن لأفضل “حل سعودي – سوري” ممكن الا ان يتخذ من مرجعية الدولة أساساً له، لكن هذا يفترض أن تكون نظرتا السعودية وسوريا الى الدولة في لبنان متقاربتين، بل متطابقتين، ويصعب قياسا على السوابق والممارسات، أن تكونا كذلك… بدليل ان احداهما تريد تحييد الدولة عن الخلافات وتدعم استمرار مجلس الوزراء في عمله، اما الاخرى فلا تزال الى جانب المؤزمين والمعطلين والمتوعدين بعظائم الامور اذا لم يستفيقوا غدا فإذا بالمحكمة الدولية قد ألغيت.

    عبد الوهاب بدرخان
    جريدة النهار
    29.12.2010

    Leave a Reply