• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    سنة 2010: “تخصيب” أزمة المحكمة يستنزف حكومة الوحدة

    بدايتها انشراح وحبور ونهايتها تعطيل وانسداد وما بين البداية والنهاية انكشاف دراماتيكي لحكومة الوحدة الوطنية على نار الحضانة اللاهبة لأزمة المحكمة الدولية الخاصة بلبنان.

    سنة 2010 هي مفارقة المفارقات وقمة الغرائب في معايير الازمات. لم تكن سنة الحدث الذي منحها شرف الالتصاق باسمه، ولكنها دارت من أولها الى آخرها حوله كأنه حاصل. لم يسبق في تاريخ الاحداث الجليلة، أيا كانت طبيعتها، أن أعطى حدث افتراضي سنة بأمها اسم “سنة المحكمة” على غرار ما شهده لبنان. وربما في لبنان وحده بات هذا الاحتمال واردا، أي استسقاء الحدث واستدراجه بمفاعيله وتداعياته قبل حصوله.

    هذا المنطق الاستباقي عاش معه اللبنانيون 365 يوما، متقلبين وسط حيرة تاريخية بحق، هل يسلمون لواقع الازمة أم ينتظرون مزيدا علَّ ما يأتي يبررها على الأقل. ولعلها في جانب سوسيولوجي واجتماعي ونفسي لعنة جلد الذات التي تمنع من يبتلى بها ان يهنأ في فسحات الدهر، بلا أزمات او على الاقل في غفلة من استحقاقاتها. وبذلك قد يكون التشخيص الاقرب الى “الموضوعية”. اذا صح وجودها وأمكن الركون اليها في الواقع اللبناني. إنها كانت سنة حضانة الازمة و”تخصيبها” تمهيدا لما سيأتي في سنة الحسم حتى في يوم الاستحقاق الفاصل بين الـ”ما قبل” والـ”ما بعد”، أي لحظة صدور القرار الاتهامي في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري والذي “يفترض” صدوره مطالع سنة 2011.

    على جوانب هذه “الحضانة” الاستباقية و”التحشيد” لعوامل السباق بين التحقيق الدولي وتداعياته في لبنان، لم تتأخر عملية قضم حكومة الوحدة الوطنية وتآكلها البطيء والتدريجي، فدفعت الضريبة الباهظة من رصيدين أساسيين: الرصيد المبدئي لكون تشكيلة الوحدة الوطنية بدت أقرب الى تجميع اضطراري قسري صيغ في ظروفه المعروفة في تشرين الثاني 2009 وبدأت مفاعيله تتشظى مع الثلث الاول من سنة 2010.

    بدت انطلاقة الحكومة، بعد طول مخاض في تشكيلها، معقولة ولو كانت انطلاقة باهتة بعدما كشفت الاشهر الطويلة للمخاض أن إقحام التوازنات المتغيرة في حكومة يرئسها للمرة الاولى زعيم الغالبية رئيس الوزراء سعد الحريري يراد له ان يضع سكة التعامل مع أزمة المحكمة الدولية كهدف مركزي أساسي لا هدف آخر يعلوه مرتبة وأولوية لدى قوى 8 آذار وداعميها الاقليميين أي سوريا وايران. مع ذلك شكلت زيارات الرئيس الحريري لدمشق وخصوصا في بدايات الانفراجة بينه وبين الرئيس السوري بشار الاسد، الوقود الدافع للحكومة والزخم الضروري لتعميم الانطباع ان عملية تطبيع العلاقات مع سوريا هي الممر الالزامي الحتمي للاستقرار السياسي الداخلي وضخ حكومة الحريري بالأوكسجين المحيي والمنشط، وأنها دائما على وقع مضبوط معياره الثابت ان سلم التطبيع الداخلي مرتبط ارتباطا وثيقا لا فكاك منه بمدى تقدم التطبيع بين الحريري والقيادة السورية والعكس صحيح بطبيعة الحال.

    والمفارقة في هذا السياق هي أن لبنان استعاد في ظل حكومة الحريري مكسبا لا يمكن انكاره عبر انفتاحه الواسع على دول المحاور المتصارعة عليه او حوله او عبره. إذ إن الحيثية الشخصية للحريري من جهة، وصيغة التوازنات التي ترسم عنوان الحكومة كجامع لكل القوى من جهة أخرى، محضتا هذه الحكومة نقطة قوة جعلتها تعيد لبنان نقطة استقطاب “للشرق والغرب” بدليل ان سجل زيارات الزعماء للبنان وزيارات المسؤولين اللبنانيين للخارج قد يشكل احدى النقاط المضيئة النادرة في مجريات السنة الآفلة. ولو قيض للحكومة في البعد الداخلي حرية حركة مماثلة لكان الفارق هائلا بالقياس مع التقنين القسري الشديد الذي أخضعت له تحت وطأة تفجير التداعيات الاستباقية لأزمة المحكمة.

    إذاً لم تكفل الزيارارت الخمس التي قام بها الحريري لدمشق الاتفاق على “استراتيجية خروج” من المأزق لعامل أساسي بديهي هو نفسه العامل الذي يحول دون استراتيجية مماثلة في الداخل. فمأزق المحكمة ليس مرتبطا بالصراع على السلطة، ولا ايضا بالعلاقات مع سوريا، ولا تاليا بسلاح “حزب الله” نفسه. إنما هو مأزق من صنف جديد اصطدم معه كل شيء باستحالتين: استحالة تنازل الحريري وفريق 14 آذار عن المحكمة ومبدأ العدالة، واستحالة تسليم “حزب الله” ومعه سوريا وايران بالمنطق القضائي الصرف حتى في مناهضة قرار اتهامي صار مضمونه الافتراضي أقوى من الواقع الحقيقي قبل أكثر من سنة من صدوره على الاقل.

    هاتان الاستحالتان استهلكتا من سنة 2010 اللبنانية معظمها، وعلى الاقل صارتا محور هبات التأزيم والتهدئة وموجاتهما المتعاقبة بعد أقل من ستة أشهر على تشكيل الحكومة. لم تكن القمة الثلاثية، السورية – السعودية – اللبنانية في قصر بعبدا سوى اعلان مدوٍ في حقيقتها لاقتراب بلد التقاطعات والصدامات الغامضة بين طرفي المعادلة السعودية – السورية من مرحلة محفوفة بأخطار متعاظمة اقتضت تلك “الرفقة التاريخية” التي حملها وصول العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز والرئيس السوري بشار الاسد معا الى مطار بيروت مباشرة من دمشق. واذا كان للمشهد ان يكتمل بأبعاده الاقليمية المفتوحة على أزمة المحكمة فان ذلك البعد برز في زيارات متعاقبة لأمير قطر والرئيس الايراني ورئيس وزراء تركيا شهد معها لبنان طقوسا واحتفالات ندر ان أقيمت لزعماء آخرين من قبل.

    في أي حال بدت أزمة المحكمة أقوى من الجميع، واستعصت على الجميع، مجمل هذه الحركة الاستثنائية لم تقدم حرفا ولم تنقص حرفا في سجل تصاعدي للأزمة كان يشهر عنوانه “حزب الله” الذي حقق أمينه العام السيد حسن نصر الله في سنة 2010 رقما قياسيا في الاطلالات الاعلامية، عبر خطة تصاعدية منهجية في اطار حربه على المحكمة الدولية. وبدا واضحا أن الحزب اختط لنفسه نمط المناهضة الاعلامية في الدرجة الاولى نظرا الى حساسية عامل التعبئة الشعبية و”التحشيد” لديه، وإثباتا لعدم اعترافه بالأطر القانونية والقضائية للمحكمة.

    حصل الصدام المباشر والأقوى حول المحكمة في ملف “شهود الزور” عقب اندفاع قوى 8 آذار لاثارته داخل مجلس الوزراء، مستندة الى حديث للرئيس الحريري أقر فيه بضرورة معالجة هذا الملف. وسرعان ما برز مجددا التناقض الصارخ بين مفهومين متعارضين لهذا الملف. كان الحريري يقصد “شهود الزور” هم غيرهم تماما من يستهدفهم أفرقاء 8 آذار. والواضح أن قوى 8 آذار أرادت من فتح هذا الملف إجراء محاكمة سياسية واسعة لأفرقاء وشخصيات سياسية وقضائية وأمنية وكذلك لأجهزة أمنية من منظار نظرتها الى مسألة “شهود الزور” ناهيك عن طموحها الى تفخيخ مسار المحكمة بهذا الملف وقلبه رأسا على عقب. أما قوى 14 آذار، فسلمت في الحد الاقصى بملاحقة “شهود الزور” الموصوفين على ان يكون مسار الملاحقة عبر القضاء العادي. في الصراع على المجلس العدلي والقضاء العادي كانت الحكومة تنزف ببطء وتستغرق في التعطيل التدريجي مع حدود دنيا من الانتاج وصولا الى الشلل والتعطيل. في أشهر قليلة اتسمت بموجات لاهبة من السجالات كاد ملف “شهود الزور” أن يلتهم القضية الأم، أقله على المستوى الداخلي. ودار الصدام في الفراغ نظرا الى موقف مفصلي شكلته “الكتلة الوسطية” في مجلس الوزراء، المكونة من وزراء رئيس الجمهورية ووزراء “اللقاء الديموقراطي” بزعامة النائب وليد جنبلاط. حتى نهاية السنة شكل الموقف الوسطي هذا بيضة قبان يعتد بها في منع انهيار التوازنات السياسية وانقلابها داخل الحكومة. ومع ذلك فان الازمة مضت في مراحل “التخصيب” والانضاج. أصيبت الحكومة بعاهة التعطيل. وأصيب الافرقاء السياسيون بالانهاك، وأصيبت البلاد برمتها بأعراض سكتة دماغية.

    نقطة “مضيئة” أخرى يمكن تسقطها على هامش هذه الأزمة، وهي ان الصراعات الصغيرة بين بعض الافرقاء السياسيين كفّت عن ان تصبح حدثا وأضحت أقرب الى “نقار الديوك”. لعل الواقع القاسي الذي يجعل لبنان ينزلق الى مشارف خطر الفتنة المذهبية، همّش كل “الفوائض” الاخرى وجعلها في مرتبة ثانوية ما لم يكن أي صراع متصلا او مؤثرا بقوة بمجريات “فتنة في البال”، لذلك غدت موجات السجالات بين فريق من هنا وفريق من هناك، حتى في قضايا مرموقة عادة كالقضايا الاقتصادية والمالية، أشبه بـ”ملاحق” لا وظيفة لها سوى توزيع أدوار أو اضافة “مطيبات” على صراع زاحف.

    وبما ان الافتراض شكل العمود الفقري لعملية حضانة الازمة، فقد تكفي عودة سريعة الى مجريات السنة لتبين حجم الاستحقاق الآتي مع السنة الجديدة. وحتى في ذروة حقبات الحروب المتألبة على لبنان وفيه لم تشهد سنة دفقا من التوقعات من أدنى سلم التهدئة الى أعلى سلم التهويل بمثل ما شهدته سنة 2010. وها هي نهاية السنة تضع لبنان أمام “كرة الساحر”.

    فمن يجرؤ بعد على التكهن والتخمين والتنبؤ؟

    نبيل بومنصف
    جريدة النهار
    28.12.2010

    Leave a Reply