• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    القرار الاتهامي مدخل لإعادة كتابة تاريخ لبنان

    مسار دولي في جريمتي اغتيال بينظير بوتو ورفيق الحريري

    يتذاكى المتحاملون على العدالة الدولية فيسألون لماذا قامت محكمة خاصّة بلبنان للكشف عن قتلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري وإنزال العقوبة بحقهم ولم تقم محكمة خاصّة مماثلة للكشف عن جرائم اغتيال أخرى حدثت في غير مكان من العالم، كمثل اغتيال رئيسة الوزراء الباكستانية السابقة بينظير بوتو.

    هذا التذاكي ليسَ بجديد. لكن العروج عليه لا يعدم فائدة الآن بالتحديد. فالأمر يتيح الجواب عن سؤال لماذا قامت محكمة دولية خاصّة بجرائم الاغتيال في لبنان وليس في غيره من البلدان. وهذا السؤال مفصليّ للغاية إذ على أساسه يمكنه أن يدرك المرء كيف أنّه لا مجال للتعامل مع الواقع الذي اسمه المحكمة الدولية كأنه لم يكن أو كأنه لن يكون.

    وفي ما عنى المواجهة المفتعلة بين اغتيال مدوّ يؤدّي إلى محكمة دولية وبين اغتيال آخر لا يؤدّي إليها، يبدو أنّ الذين يثيرون قضية عدم قيام العدالة الدولية في شأن اغتيال بينظير بوتو لا يعلمون أنّ التحقيق فالمحكمة الدوليتين هما مطلبان ترفع لواءهما أكثرية الشعب الباكستانيّ، وأنّ حزب بوتو الذي فاز بانتخابات شباط 2008 التشريعية طالب في تمّوز 2008 الأمم المتحدة بتشكيل لجنة تحقيق في وقائع وملابسات الاغتيال، وهي لجنة ترأسها هيرالد مونوز، سفير التشيلي في الأمم المتحدة، وقد صدر التقرير في 15 نيسان 2010 كاشفاً الكثير من الملابسات سواء في ما عنى التقصير الأمني عن حماية بوتو، أو في ما عنى الجهات التي عملت لعرقلة مسار الحقيقة منذ البدء، ووصولاً إلى “الضالعين”. إذاً فملف بوتو سلك هو الآخر مساراً “تدويلياً” عاد بنتائج مثمرة وارتكز على أدلة دامغة تلقفتها السلطات الباكستانية وأخذت تدرسها وجرى تشكيل لجنة وطنية بهذا الخصوص وبدأت هذه عملها بتوقيف ثمانية من كبار الضبّاط ورد ذكرهم في التحقيق الدوليّ.

    سواء في لبنان أو في الباكستان أو في غيرهما يخضع تدويل التحقيق فالمحاكمة بشأن جرائم الاغتيال في عصرنا لمعيارين أساسيين: المعيار الأوّل هو نهوض حركة جماهيرية تطالب المجتمع الدوليّ بمراعاة الإلتزامات الأخلاقية والقانونية والتحرّك لأنّه لا يجوز أن يبقى التاريخ الوطنيّ لأي بلد من البلدان يحسم من طريق الاغتيالات السياسية.

    أمّا المعيار الثاني فهو الصفة الإرهابية الدولية لجرائم الاغتيال التي تتم، وهو ما ينطبق بشكل أساسيّ على جريمة العصر في 14 شباط 2005، التي تعتبر استثنائية تاريخياً من حيث حجم الانفجار والدمار.

    هذا ويضاف معيار ثالث ينطبق على الحال اللبنانية أساساً، ويتّصل بالمسألة السيادية، والإقرار الدوليّ منذ خريف 2004 بأنّ لبنان منتقص السيادة، وبأنّ هناك بنودا واضحة ينبغي تطبيقها كي تستعاد هذه السيادة.

    هذه المعايير الثلاثة هي على وجه من الثبات بالشكل الذي ينعكس، وإلى حد كبير، على مسار العدالة الدولية.

    فلو لم تقم انتفاضة الإستقلال لما تأمّن المعيار الأوّل.

    ولو جرى استخدام وسائل أقلّ همجية وأقل مشهدية في عملية الاغتيال لكان من الصعب تظهير المعيار الثاني.

    لو لم يكن انتقاص السيادة اللبنانية واضحا للعيان كما برز يوم التمديد، وعلى نحو استوجب صدور القرار 1559، لما كان المعيار الثالث.

    وليس صحيحاً أن اللبنانيين الذين طالبوا بقيام المحكمة ما كانوا يدركون وقتها ما هو حجم التحدّي الذي يرفعونه كشعار برنامجيّ وطنيّ. حركتهم الإستقلالية جعلت من مطلب العدالة عموداً فقرياً لها، والعدالة أصبحت منذ خمس سنوات معيار الوطنية اللبنانية الحقة، والشعور اللبنانيّ الفعليّ.

    ففي سبيل المحكمة سقط شهداء، ومن أجل الهروب منها حلّت بالوطن أحداث دموية ومفجعة لن تجتلى حقيقتها هي الأخرى إلى بعد صدور القرار الإتهامي، وبهذا المعنى يمكن اعتبار القرار مدخلاً لكتابة تاريخ لبنان ليس فقط في الخمس سنوات الأخيرة، إنّما أيضاً لبنان العقدين الاخيرين، لبنان ما بعد الحرب.

    وفي سبيل الهروب إلى الأمام، بعيداً من المحكمة، قامت مغامرات وأحداث مأسوية بالشكل الذي ليس من الممكن اجتلاؤه بعد، أقله قبل صدور القرار الإتهاميّ. إنّ صدور هذا القرار هو المدخل ليس فقط لمعرفة الحقيقة في جرائم الاغتيال وإنّما أيضاً في كثير من الأحداث والمنعطفات التي كابدناها في الخمس سنوات الأخيرة.

    كذلك ينبغي التذكير أنه يوم قبل المجتمع الدوليّ إرادة اللبنانيين الأحرار باستعادة السيادة ثم بإحقاق العدالة لم يكن ذلك عن سذاجة تتصوّر أنّ السيادة ستتنزع من دون ردّات فعل مناوئة، أو تخال أنّ الضغط على الإستقلاليين لن يزداد عندما تقترب ساعة الحقيقة، أو أنّ السياقات غير الديموقراطية والعنيفة التي تحكم الشرق الأوسط لن تتقاطع في مواجهة النزوع الديموقراطيّ الإستقلاليّ اللبنانيّ.

    وسام سعادة
    جريدة المستقبل
    27.12.2010

    Leave a Reply