• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    إنقاذ العدالة من التزوير التاريخي

    في سنوات الحرب الاهلية اللبنانية، منذ العام 1975 حتى توقيع اتفاق الطائف، ارتكبت احزاب وميليشيات لبنانية مجازر دموية اتخذت في كثير من الاحيان طابعا طائفيا، لم يسلم الدخول الفلسطيني او السوري الى لبنان منها، فكانا في بعض مراحلها جزءا فاعلا ومتفاعلا ومتأثرا بسياقاتها.

    ورغم الطابع الطائفي او العنصري الذي اتسمت به هذه الارتكابات، لم يذهب اللبنانيون الى اتهام المسيحيين بتنفيذ مجزرة صبرا وشاتيلا. هذه الجريمة التي نفذت بإيعاز وإشراف وتنظيم إسرائيلي في ايلول من العام 1982 اثر اغتيال رئيس الجمهورية المنتخب بشير الجميل، والتي يقع جزء اساسي من مسؤوليتها على عاتق مقاتلي “القوات اللبنانية” وحزب “الكتائب”، اللذين نفذا هذه المجزرة بحق مدنيين لبنانيين وفلسطينيين.

    والى هذا لا يمكن إدراج المجازر التي شهدتها منطقة الشوف وعالية واعالي المتن خلال حرب الجبل عام 1983 باعتبارها جرائم مسيحية او درزية، بل هي تقع على عاتق الميليشيات التي تورطت في تنفيذ عمليات قتل المدنيين من المسيحيين والدروز، ويتحمل مسؤولية تنفيذها الميليشيات التي قادت الحرب آنذاك، مثل “الحزب التقدمي الاشتراكي” و”القوات اللبنانية”، أيضا من دون أن نعفي اسرائيل من تورطها في إشعال هذه الحرب، ومن الجرائم التي ارتكبت.

    الى ذلك ايضا، هناك حرب المخيمات الشهيرة في العام 1985. حينها نفذت حركة “أمل” حربا على بعض المنظمات الفلسطينية تورطت خلالها في تنفيذ جرائم طالت آلاف المدنيين الفلسطينيين. تلك الحرب لم تكن إلا تنفيذا لقرار سوري كانت “امل” اداة تنفيذية له. وهي، وإن أدرجها البعض في سياق صراع شيعي –فلسطيني، إلا انها تبقى، مهما قيل فيها، حرب بين منظمات يتحمل تبعاتها ومسؤولية ارتكاباتها ميليشيات كانت هي من ينفذ، لا الفلسطينيين ولا الطائفة الشيعية.

    ويمكن ادراج العديد من الوقائع الشبيهة التي زخرت بها الحرب اللبنانية في مختلف المناطق، مما يؤشر الى ان الاحزاب والميليشيات التي تورطت في الحروب الداخلية، وفي ارتكاب المجازر ضد المدنيين، لم تستطع ان تلقي بثقل ما ارتكبت على كاهل طوائفها. فالجريمة، أيا كان مصدرها، لا يمكن ان يتحمل مسؤوليتها في الدين وفي القانون الوضعي الا من ارتكبها ومن حرض عليها، وبالتالي لا يمكن ان تقع على كاهل كل من ينتمي الى طائفة القتلة او المرتكبين.

    واذا كان من التباس قد وقع فيه البعض في اتهام طائفة ما بارتكاب مجزرة، فذلك لأن مثل هذه الوقائع الدامية والمشينة في تاريخ الحياة السياسية اللبنانية بقيت عرضة للتأويلات ومجالا للاستخدام السياسي والعاطفي، ببساطة لان هذه الوقائع لم تتعرض للمساءلة ، وإن من باب الاعتراف والمصالحة في أقلّ تقدير. فالتعمية عن القاتل والمرتكب لا تتصل نتائجها بالجريمة نفسها، بل تمتد آثارها الى ما يلي من احداث تستدعيها التعمية وتغري بمثلها في ظل غياب المساءلة والمحاسبة، وانعدام إحقاق العدالة وإن نسبيا.

    في العالم العربي، وفي لبنان تحديدا، تتكاتف قوى السلطة، حتى تلك المتصارعة، على نبذ العدالة. ذلك ان العدالة لا يمكن ان تتحقق الا في سياق قانوني يفضي اليها، ومحاكم تتمتع باستقلالية واحترام. وتحقق هذه الشروط يفضي بطبيعة الحال الى اعادة الدولة والمجتمع الى سوية تتنافى مع ما هو قائم في هذه الدول.

    العدالة ايضا منبوذة في لبنان إذا. ولعل ما شهدناه، في هذا السياق، خلال الحرب وما بعد اتفاق الطائف، يشير الى ان السلطة القائمة، بفروعها وتنوعها في الكيان اللبناني، كانت قادرة على ترويع المجتمع من فداحة تنفيذ العدالة، وكشف الارتكابات.

    إذ نجحت الاحزاب والشخصيات السياسية، المتولّية والمتوالية على السلطة في لبنان ما بعد الطائف، على تظهير أن كشف الفساد والاختلاسات للمال العام ومحاسبة المفسدين في الدولة هو استهداف للطائفة السنية، كما استطاعت هي نفسها تظهير أنّ كشف الجرائم السياسية ومحاسبة مرتكبيها في عهد الوصاية السورية، سيعمق الأزمة ولن يحلها، كما صوّر على أنّه يستهدف الطائفة الشيعية.

    هذا السلوك الذي اتبع بحرفية عالية في ادارة الشأن العام هو ما جعل من العدالة هدفا للسلطة القائمة تستعين عليه باثارة الخوف وتظهير الحقيقة باعتبارها هي الجريمة، وليست الوسيلة للخروج من نفق الازمات المتوالدة كالفطر.

    واليوم، لعلّ أسوأ ما يوازي هذا التاريخ من التزوير في لبنان هو تحويل مسألة “الحقيقة” و”العدالة” في جريمة اغتيال رفيق الحريري، إلى منازلة مذهبية. فتصوّر المحكمة على أنّها “سنّية” فيما القاتل هو “شيعي”.

    الطرفان تورّطا في هذه اللعبة، التي بدأت أفكارا وها هي تتحوّل إلى وقائع.

    علي الأمين
    جريدة صدى البلد
    27.12.2010

    Leave a Reply