• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    الليبراليون والتغريد خارج السرب

    افكر في ان الليبرالي ذئب وحيد لم يطرده القطيع او يخلعه، بل هو الذي اختار ان يبتعد عنه بارادته الحرة بعد ان عجز عن الاستمرار في مجاملة زملائه ومسايرتهم في التهام بقية حيوانات الغابة. وهو بهذا الموقف جعل من نفسه فريسة لزملائه في الغابة، وايضا فريسة للصائدين القادمين من خارجها. هكذا يحيط به الخطر من كل جانب غير انه على وعي بأنه خطر يليق به وبموقفه تماما كالبطل التراجيدي العاجز عن الافلات من مصيره.

    انه الغريب في كل حكاية وفي كل قرية وفي كل محطة قطار، اما الامر الذي يعجز عن استيعابه حقا فهو ان الآخرين يشعرون بخوف غامض منه، لا هو ولا هم قادرون على تحديد مصدره، من هنا ظهرت تلك الكليشيهات الشهيرة عن السباحة ضد التيار والتغريد خارج السرب. الليبرالي لا يسبح ضد التيار عمدا او على سبيل الهواية او رغبة في اغاظة الآخرين، التيار هو الذي يسبح ضده بينما هو يضرب المياه بيديه بقوة ليصل الى بر الامان، له وللجنس البشري. كما انه لا يغرد خارج السرب، بل هو قد ذاكر وقرأ جيدا وحفظ عن ظهر قلب حروف النوتة الموسيقية التي كلفت طيور السرب ان تغنيها، ثم فوجئ بها تغني اغاني اخرى هي الى النشاز اقرب. طيور السرب لم تؤد واجبها في حفظ اللحن وهضمه فحولته الى نشاز مزعج، فهل يسايرها ويشاركها في افساد الرحلة في السماء الصافية الجميلة؟

    هنا يكون غناء اللحن الاصلي تمسكا بشرف المهنة، مهنة التغريد، هذه هي مهمته ووظيفته وعشقه ومبرر وجوده. الكف عن تأدية وظيفته فيه ضياعه وفناؤه، لا مفر من ان يواصل عمله على امل ان تتنبه بعض طيور السرب الى انها خرجت على اللحن الاصلي وانه لا بد لها من الغناء الصحيح لكي تستمتع به بقية مخلوقات الله.

    والليبراليون في كل المجتمعات هم افراد من المستحيل ان تضمهم جماعة او تنظيم، هم اشبه بزهرات برية متباعدة ومتناثرة نبتت في حقل اشواك، اذ ان خوفهم على فرديتهم يكاد يبلغ حد الظاهرة المرضية. فرديتهم هي السياج الذي يحميهم من عدوان الدنيا عليهم، تماما كقشرة القواقع الصلبة، في اللحظة التي ينضم فيها الانسان الفرد الى تنظيم سياسي او اجتماعي، يفقد على الفور جزءا من حريته يتم توظيفه لصالح الجماعة، الى ان نصل الى تنظيمات يتم فيها مصادرة حرية الانسان الفرد بالكامل وعقله ايضا لحسال الجماعة او التنظيم، وهو ما يحدث في التنظيمات الفكرية الثورية الدينية، وعندما يكتشف عضو الجماعة انه قد فقد حريته وحاضره ومستقبله من اجل هدف كان يظنه عظيما، يكون الوقت لنجاته قد فات. لا يوجد مبادئ ولا يحزنون، هناك شخص واحد اعطى نفسه وسلم له بدور الزعيم، شخص واحد، ليس له صلة بالموسيقى حتى ولو كمستمع، هو لا يستمع اليها اصلا لأنه تشعره بالالم. هذا الزعيم سيمده بالنوتة التي كتبت حروفها من نار وديناميت ليغني اغنية واحدة ثابتة هي: ما اجمل ان اقتلكم واموت معكم بعد ان فقدت حريتي من اجل زعيمي وتاج راسي… وحبيبي… يا ليل.

    هنا سنتوقف طويلا لنناقش ما قاله الاستاذ عبد الرحمن الراشد في عموده الاحد الماضي (19 ديسمبر 2010) الذي اوضح فيه انه “يمكن ان يكون الاسلامي والقومي ليبراليا، ولكن يستحيل ان يجتمع الاسلامي والشيوعي في ثوب واحد”. الواقع انني اوافق على الشق الاول من كلامه مع تعديل بسيط، هو ان الاسلامي والقومي وحتى الماركسي، عندما يكون متمتعا بعاطفة اعتبار للذات قوية فلا بد ان يتحول الى الليبرالية، لأنه ببساطة عاجز عن معاندة نفسه ومخالفة ضميره، وما دامت الحقيقة هدفه والحكمة ضالته فمن المؤكد انه سيتحول الى الليبرالية اي الحرية. وهذا هو ما اثبته التاريخ المعاصر في مصر وغيرها، عدد كبير جدا من المثقفين تحولوا الى الليبرالية كطريق وحيد للتنمية والحفاظ على حقوق الانسان. اما انه من المستحيل ان يجتمع الاسلامي والشيوعي في ثوب واحد، فهو مستحيل فعلا، هما ثوبان اذن، غير انك لو دققت في مقاسات الثوبين وشكلهما العام، فستكتشف على الفور انهما من تفصيل مصمم ازياء واحد. ما يجمع بينهما بالفعل – في حال التطرف – هو آليات التفكير المتطابقة والمتماثلة، آليات التفكير عند كل انواع المتطرفين واحدة، هي اشبه بمكونات الدواء الثابتة التي تختار لها شركات الدواء اسماء مختلفة. هذا ما يفسر ان متطرفا ماركسيا يتحول الى التطرف الاسلامي، الواقع انه لم يتحول، هو قام فقط بتغيير اسم الدواء على الزجاجة زاحتفظ بكل مكوناتها بداخله وذلك لأسباب تسويقية. كان يخوض معاركه ضد الغرب والامبريالية لأنهم يمنعون الناس من الوصول الى جنة الشيوعية على الارض وما زال يخوضها في ثوبه الجديد بنفس الضراوة بعد ان سماهم كفارا.

    وعندما نقول ان “العلمانية نظام عمل بينما الليبرالية مبدأ عام يؤمن بالحرية” فلا بد ان نضيف انها – العلمانية – نظام عمل اساسه الحرية. الواقع ان الحرية كلمة شهيرة للغاية اما معناها فيكتنفه غموض شديد، معظم الناس تتصورها اداة خاصة بالكتاب والمثقفين والفنانين فقط، فقد تصادف ان كانوا هم المدافعين عنها بالحق احيانا وبالباطل احايين اخرى، اذا كانت حرية التعبير تنتج العمل الفني العظيم، فهي ايضا تؤدي الى تنمية المجتمع في كل المجالات وهذا هو الاصل والاساس فيها. عندما يريد الليبرالي الحرية فهو يريدها للناس كي يحققوا المزيد من الانجاز والابداع في كل مهنة. بالحرية تتحقق التنمية كما تتحقق الكبرياء الانسانسة للبشر. من الغريب ان الحرية تصنعها القيود بأكثر ما تتيحها المساخات المفتوحة للفعل. لا بد من الاعتراف بأن هناك خصوما للحرية بدافع من الاحساس بالضآلة او العجز او الغيرة المرضية، هؤلاء الخصوم عندما يصلون الى اماكن حاكمة يمارسون بكل نشاط حجب الحرية عن الناس، انهم مناعو الخير، من هنا جاءت اهمية سيادة القانون والالتزام به، وهو ما يعني من بين ما يعني ان الحرية هي الالتزام بالاعراف والقوانين والتقاليد، هذه هي العناصر التي ترصع الطريق الى الحرية. هنا نصل الى الفرق الجوهري بين المثقف الليبرالي والمثقف الشمولي، الاول يطلب الحرية ويحميها بالقانون والثاني يخشاها ويحرم منها الناس ويحتفظ بها لنفسه ليستخدمها في ضرب الآخرين. هكذا تمشي المجتمعات في طريق الفقر والمزيد منه.

    علي سالم
    جريدة الشرق الاوسط
    26.12.2010

    Leave a Reply