• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    لبنان بين الدولة والرسالة

    تحدد الدراسات السياسية وظيفة الدولة في ثلاثة أهداف: الهدف الأول هو تأمين السلامة العامة مادياً وعملياً، والهدف الثاني هو إقامة مؤسسات فاعلة، أما الهدف الثالث فهو إعداد إدارة منتجة.

    أما كيف يمكن قياس نجاح أو فشل الدولة في تحقيق هذه الأهداف الثلاثة، فإن الدراسات السياسية وضعت لذلك إثني عشر مؤشراً، يحكم بنتيجتها على الدولة ما إذا كانت دولة ناجحة، أو متعثرة، أو دولة فاشلة.

    هذه المؤشرات هي:

    – مستوى الإستقرار في الدولة

    – مستوى الأمن المدني

    – مستوى الفساد

    – حجم النمو الإقتصادي

    – حكم القانون

    – نوعية الجهاز البيروقراطي

    – النفوذ الخارجي

    – الإنقسامات العنصرية أو الدينية الداخلية

    – الإنسجام المجتمعي

    – الثقة بالمؤسسات العامة

    – عمر الدولة

    إذا طبقنا هذه المؤشرات على الدولة اللبنانية نجد أن:

    ـ مستوى الإستقرار صفر. فالدولة اللبنانية تنتقل من اضطراب الى اضطراب ومن أزمة الى أزمة. ولا يطول عمر الإستقرار بين الأزمة والأخرى أو بين الفتنة والأخرى عن عقد من الزمن.

    ـ ومستوى الأمن المدني يقارب الصفر؛ ذلك أن هناك طعناً بقوى الأمن الداخلي، وتشكيكاً بالقضاء بل ان هناك أمناً ذاتياً.

    ـ مستوى الفساد عال جداً؛ تعكس ذلك ثقافة “الجوارير المفتوحة” وصفقات التلزيم الاسترضائي للعديد من المشاريع.

    ـ حجم النمو الاقتصادي معقول، ولكنه نمو في الحجر وليس في البشر. لقد استشهد من كان يحقق النمو في الاثنين معاً. رحم الله رفيق الحريري.

    ـ حكم القانون معدوم. ومعدوم أيضاً الحكم بالقانون.

    ـ البيروقراطية مترهلة ومهترئة ؛ فأكثر من ثلث المناصب الإدارية شاغر. وأكثر من الثلث الثاني يائس.. والباقي على الله.

    ـ السيطرة على أراضي الدولة محدودة؛ فهناك دويلات داخل الدولة.

    ـ النفوذ الخارجي لا حدود له ولاسقف؛ وأخطر ما فيه ان لبنان يسعى اليه وليس هو الذي يسعى الى الدولة اللبنانية.

    ـ الإنقسامات الداخلية عميقة أفقياً وعمودياً؛ ويتمثل ذلك في تعطيل عمل المؤسسات الدستورية. حتى أن “طاولة الحوار الوطني” المكلفة أساساً بمعالجة أسباب الإنقسامات عاجزة هي ذاتها عن الإجتماع، فكيف بالمعالجة؟

    ـ الإنسجام المجتمعي معدوم تربوياً وثقافياً ؛ فالوطني هنا، خائن هناك، سواء كان ذلك في التاريخ الماضي أو في الحاضر القائم. وتعكس مؤسسات المجتمع المدني صورة هذا الإنقسام، ذلك انه يكفي ذكر اسم أي مؤسسة، حتى تحدد هويتها الدينية أو المذهبية سواء كانت مؤسسة تعليمية أو رياضية أو كشفية أو اجتماعية وطبعاً حزبية.

    ـ الثقة بالمؤسسات العامة مطعون بها، فالقوى السياسية لا تحتكم اليها ولا تلجأ اليها إلا لإعلان ما تتفق عليه في خارجها. وإذا لم تتفق تبقى هذه المؤسسات مجرد مواقع لأسماء من غير مسمى..

    ـ أما عن عمر الدولة، فقد ولدت في عام 1920، واستقلت في عام 1943، واحتلتها اسرائيل أولاً في عام 1978، ثم في عام 1982، ولا تزال تحتل أجزاء منها حتى اليوم. مع ذلك فان كل ما مرت به من محن وما تعلمته من التجارب المريرة والكثيرة، لا يزال كثير من سياسييها يتصرفون وكأنهم في دولة في سن المراهقة السياسية.

    في ضوء ذلك، واستناداً الى قواعد العلم السياسي، قد تحصل الدولة اللبنانية على علامة تضعها في مصاف الدول الفاشلة. إلا أن لبنان يعتبر نفسه فوق الفشل. ويصنف نفسه فوق معدل النجاح. فهو يسمو بنفسه الى مستوى الرسالة. وهو فعلاً كذلك. غير ان رسالته ليست في واقع الدولة بل في تكوين المجتمع. وليس في سلوك هيئاته ومنظماته السياسية، ولكن في تعايش أبنائه. فواقع الدولة هو مع الأسف على الصورة السلبية التي ترسمها المؤشرات الاثني عشر. أما رسالته فترسمها من حسن الحظ قواعد الحريات العامة والتعايش بين عائلاته الروحية المتعددة، وهي قواعد ثابتة ومحترمة.

    لم تستطع الدولة اللبنانية أن تقنع المجتمع الدولي بأنها دولة جديرة بالاحترام وحتى بالبقاء. ولكن صيغة لبنان التكوينية الفريدة من نوعها تستجيب الى حاجة المجتمع الدولي بقيام نموذج لدولة تتحقق فيها الوحدة في التنوع في منطقة الشرق الأوسط. والتعاطف الذي يبديه هذا المجتمع مع لبنان يعكس تقديره لهذه الصيغة وحرصه عليها، كما يعكس مصلحته في نجاحها وفي انجاحها متحملاً في سبيل ذلك أعباء تعثر الدولة وحتى فشلها أحياناً.

    فلأن الصومال، ليس لبنان، فقد تخلى الجتمع الدولي عنه، الأمر الذي ادى الى غرقه في بحيرة من الدماء التي لم تعد تثير شفقة ولا حتى أسفاً. ولولا أعمال القرصنة البحرية، ولولا أن تنظيم القاعدة وجد في هذه البيئة الصومالية المريضة ملاذاً آمناً لتجاهلَ العالم تماماً ما يحدث في الصومال من مآس يومية.

    حتى ان الاهتمام ببعض الحيوانات في افريقيا خوفاً عليها من الانقراض يتقدم الآن على الاهتمام بالشعب الصومالي المعذب. وقد أدى ذلك الى وضع لم يعد ممكناً معه قياس الدولة الصومالية على قاعدة المؤشرات الاثني عشر لأن الحد الأدنى من رمزية الدولة ومن دورها ومن وظيفتها لم يعد قائماً فيه.

    مرّ لبنان بوضع مشابه اثناء الحرب التي عصفت به (1975-1990)، ولكنه تماسك في وجه الإنحلال، واستعصى على محاولات التمزيق. لم يحدث ذلك لأن الدولة كانت أقوى من الفتنة، فالدولة شلت يدها وتعطلت إرادتها واستبيحت مؤسساتها، ولكن ذلك حدث لان لبنان الرسالة كان أقدر على الصمود، ولأن المجتمع الدولي كان يدرك اي ظلام سوف يحل بالشرق الأوسط اذا خبا ضوء هذه الرسالة.. وإذا انهارت صيغة الوحدة بالتنوع.

    غير ان نجاح هذه الصيغة يتطلب نجاح الدولة في أن تكون دولة في الحد الأدنى. أي في أن ترتفع في سلوكها وفي ادائها الى مستوى المعايير المعترف بها للدولة الحديثة. ولكن دون ذلك عقبات لعل من أهمها ثقافة إلقاء اللوم في تعثر قيام الدولة على حروب الآخرين على أرض لبنان. وفي ذلك كثير من المبالغة. صحيح ان الآخرين تحاربوا في لبنان، وحاربوا في لبنان، إلا ان اللبنانيين كغيرهم من العرب اكتسبوا ثقافة تبرئة الذات بالقاء اللوم على الآخر. بالأمس كان الآخر هو المستعمر الأوروبي، وقبله التركي وحتى المغولي.. واليوم فان الآخر هو الاسرائيلي ومن ورائه الاميركي والأوروبي.

    هناك دائماً عنصر خارجي ما يشكل وجوده، أو إيجاده، مبرراً لتجنب نقد الذات، ومن ثم لتوظيف الأخطاء في اعتماد سياسة جديدة تقوم على الإرتداد عن هذه الأخطاء، وإعادة رسم المسيرة نحو المستقبل.

    وما لم يتخل اللبنانيون عن هذه الثقافة سيبقى لبنان الدولة في حالة صراع مع لبنان الرسالة. فإما أن ينفرط عقد الدولة وتسقط الرسالة كما كاد يحدث في الثمانينات من القرن الماضي، واما أن ترتفع الدولة الى مستوى الرسالة فتنقذ لبنان وتنقذ الرسالة.

    محمد السماك
    جريدة المستقبل
    24.12.2010

    Leave a Reply