• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    اللبناني إنسان مؤجل

    نتيجة الدق على باب الخزان اللبناني، صارت حُلماً متضائلاً، فخزان لبنان لا يشبه خزان غسان كنفاني، كاتب فلسطين وشهيدها. ما هو موجود، في المتناول الواقعي، خزان مثقوب، تأتيه الريح من كل جنباته، والقبضات المحيطة به، أو الحبيسة داخله، خائرة القوى، لأنها بلا قضية تريد جذب الأسماع إليها، ومن مكملات الوضعية اللبنانية البائسة، أن الأسماع مبرمجة لالتقاط أصوات مفردة، وغير مهيأة لاستقبال، فاستيعاب، «مقطوعة موسيقية» كاملة.

    لا يشبه اللبنانيون صفة «جمعهم»، وأحوالهم الموصوفة بالتئام عقد اجتماعهم، تعاكسها وقائع انفراط هذا العقد، وتناثر حباته. اللبنانيون، إذاً، اصطلاح غير مكتمل، واللبنانية وطنية غير معترف بها، ومقاربة الاعتراف، الخفرة، يدلى بها مكبلة بقيود وشروط، تحيلها إلى قضية منفية، على صعيد واقعي وعملي. تداول اللبنانية، في السياسة، وعلى ألسنة السياسيين، ترافقه مضمرات وإعلانات، تنتمي إلى عالم التهكم من المصطلح، أو إحالته إحالة فئوية، أو جعله مقياسا وهمياً، لوطنية خالصة، تهددها عروبة زائدة، أو «دينية» جامحة.

    يستأنس اللبنانيون، في الراهن، بلغة التهديد، ويقبلون على قواميسها، فيغرفون من بحورها ما تيسّر لهم من البتر، والجدع، والسمل، ومن «لحو العصا وقطف الرؤوس»، على ما قال الحجاج بن يوسف ذات يوم، في بلاد الرافدين. الكل في لبنان مهدَّد، وهو مهدِّد في اللحظة نفسها. وجود الشريك القريب، جغرافياً، تهديد مباشر. لغة الآخر تهديد. كذلك هي اجتهاداته وخياراته وسياساته وطرائق عيشه! يجد المهدَّد ـ المهدِّد حمايته في تكثيف التعبئة جوّانياً، وفي إطلاق العنان للصراخ خارجياً. يكفّ الموضوع عن الحضور، بمحمولاته الدلالية مادياً، ويحتل الشعار مساحة الترداد اللفظي، ويقصي كل فعل عقلي، من ميدان ردود الفعل الغرائزية. التعبئة الجوانية تحمل الواقع إلى ما فوقه، فتصير لغة ضدية وإقصائية ويقينية وإطلاقية، أي أنها تتحول إلى حامل يؤجل «الأنا»، إذا ما كان تعريفها الاتصال بالآخر والتواصل معه، وتؤجل الموضوع، الذي تعريفه الواقع المحسوس، لأن غيبيات الذات تصير هي الموضوع، ولو عاند ذلك كل واقعية ملموسة. في إزاء ذلك تصغر حياة الناس ويومياتها، لأن الاشتغال اليومي بات مقتصراً على المؤجل الغيبي، وهذا في عرف «الشعاريين» اللبنانيين، وسواهم، يعادل القضايا الكبرى، التي تلزم حيوات الأفراد بالخضوع لسلطانها، بدل أن تكون القضايا خاضعة للحياة الفردية والجمعية. تتم عملية تبادل لمواقع الأهمية، بحيث تتبدل الأدوار أيضاً، وعليه، يصير الناس، بما هم الدنيا وشؤونها، أدوات للأدوات التي ينتجونها، تلك التي يطلق عليها اسم الأخلاق والقيم والأعراف والمعتقدات والرؤى، التي هي «منتجات» إنسانية، من حيث ابتكارها، أو «وضعية» من جهة تطبيقها، في حال انتماء بعض الموضوعات إلى عالم «الماورائيات».

    اللبناني الحالي، «حيوان ناطق» منفعل، ودلائل انتقاله إلى «حيوان عاقل» فاعل، قليلة. الأنسنة الملتصقة بهذين التعريفين القديمين للإنسان، غير ظاهرة الملامح، لذلك يمكن القول، على سبيل الإضافة الاقتباسية، أن اللبناني «إنسان مؤجل»، على كل الصعد، التي تعلو الصعيد البيولوجي المحض. التأجيل المذكور ليس مفروضاً على الجمهرة اللبنانية، بل هو ممارسة طوعية، يدخل السالكون طرقها من مسارب الاستقطاب والنفخ في الذات الخاصة، والاستجابة «للنقل» الذي يلقى في مفازة «العقل»، فيعطله، ويشل مدارك النقد فيه، ومن ثم يعيد تهيئة السبل أمام قادة الإلقاء النقلي، الذي يخف وزن ما ينقلونه، منطقياً، وتثقل موازين الثرثرة فيه، خرافياً. في حضرة خطاب النقل الماضوي، الذي يحاول راهنية «فكرية»، وسيادة سياسية، تتم عملية انتخاب مزدوجة، يحصل بموجبها «الخطيب» على تجديد البيعة، ويحوز الجمهور «بركة» الخطيب، الذي «يرتضي لهم الانقياد الأعمى دينياً».

    في امتداد ذلك، وعند الانتقال إلى ميدان السياسة، يتعاقد طرفا معادلة القائد ـ الجمهور على معادلة أخرى مزدوجة، هي المسؤولية ـ اللامسؤولية. القائد ـ الجمهور، مسؤولان عن صيانة الخصوصية، وغير مسؤولين عما يتجاوز ذلك، إلا بمقدار ما يمس بالخصوصية، أو بما يمكن تحويله من فضاء عام إلى فضاء خاص. ضمن نطاق المسؤولية ـ اللامسؤولية، تجتمع متناقضات الكلام، ومتنافرات الجمل، فمن جهة «الأطراف النعال والأرجل والتافهون والعملاء والفاسدون»، ومن جهة أخرى، «الرؤوس المرفوعة والأيادي النظيفة والحكماء والمناضلون والذين اشتروا الآخرة بالدنيا»، ماذا ينجم عن ذلك؟ رفع التوصيف والشتيمة إلى مصاف السياسة، واستمراء النطق بالشتم، والاستئناس بسماعه، وفي المقابل، وضع التطهر الخالص في موضع السياسة أيضاً، بحيث يمنع اللمس النقدي، ويمنع رد الشتيمة بمثلها، لأنه «لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون». الدفاع عن النفس ممنوع، لأن الدفاع، في حالة «السمو الذاتي» هجوم، أي أن كل ما تفنده، تخليصاً لذاتك، هو اتهام للآخر، صاحب الاتهام، لذلك، فمن الأجدى الاعتراف والإذعان، لأن الاعتراف بالخطأ فضيلة، حسب المثل السائر، ولأن الشكر واجب «لمن أهدى إليّ عيوبي»، حسب القول المأثور.

    تبقى «الآدمية» مطلباً عزيزاً، في ظل «الحيوانية» السائدة. شروط الآدمية صعبة، ومسالكها وعرة، لكن لا بديل من مباشرة التحضير لغمار التجربة ـ المغامرة، في مواجهة سيوف الساسة المنفلتين من كل آدمية، وفي معاندة «قوانين الغابات» المتحكمة بالجغرافيا اللبنانية. الخطوة الأولى المطلوبة، تكمن في إدراك «لا معقولية» ما يطرح على «الآدميات»، من مثل «اللاعقلاء»، الذين يديرون طاحونة الهواء اللبنانية. هي طاحونة هواء، لأنها تنتج الفراغ، لكن المأساة الكبرى، أنها تهرس أجساد الناس وأحلامهم، وتطحن أيامهم ومصائرهم، وتبدد قمحهم وطحينهم، وذلك بخلاف ما هو معروف من فعل الطواحين.

    أحمد جابر
    جريدة السفير
    22.12.2010

    Leave a Reply