• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    ممنوع الموت على الطرق… مسموح من الدخان

    والموت واحد...

    منذ سنوات ولبنان يشهد نشاطاً غير مسبوق للاهتمام بحوادث الطرق والسرعة… الخ وقد تأسست جمعيات خاصة للمتابعة ورصد الحوادث والتوعية والمطالبة بتحديث قانون السير وتأمين السلامة المرورية بمختلف الطرق والتقنيات. الا ان مجرد تقييم لهذه الحملات التي حصلت على اهتمام استثنائي من الاعلام والسياسيين ومن ثم الرأي العام، بعكس القضايا المتعلقة بتلوث الهواء الناجم عن قطاع النقل او عن التدخين السلبي في الأماكن المغلقة، يمكن ان نستنتج الملاحظات التالية:

    ان تجزئة المواضيع، بقدر ما ساهمت في إنجاح بعض الحملات الجزئية شكلا، لم تؤدي الدور المطلوب منها عامة. لا بل إن التجزئة ادت الى ارتكابات ظلت بعيدة عن الاعلام، وجعلت من الحملات تبدو فولكوراً لناحية رفع الضرر الكلي على حساب توهم معالجة ضرر ولو جزئي.

    فما الذي يفسر ان تقبل (او ان تسعى) جمعية تهتم بحوادث الطرق بتلقي تبرعات ودعم من شركات تبغ لحملاتها؟! هل يعني ذلك ان الموت من حوادث السير ممنوع، ومسموح من التدخين؟ كيف لا يشعر المتحمس لحملة ضد حوادث الطرق بأنه معني بحملة اخرى ضد التدخين، ولا سيما السلبي والقاتل للآخرين؟ اي «ازدواجية» تلك التي تعيشها جمعيات المجتمع المدني؟ اي انفصام بالشخصية؟

    ثم كيف لا يشعر المتحمس لقضايا حوادث السير انه معني بقضايا تلوث الهواء القاتل الناجم عن حركة السير وانبعاثات السيارات والشاحنات والباصات والآليات على انواعها؟ هل لأن حوادث السير منظورة ونتائجها فورية بينما تلوث الهواء وآثاره غير مباشر وغير منظور؟

    وهل يمنع الموت من دواليب السيارة دهسا، ويسمح به خنقا من عوادم السيارات وانبعاثاتها؟

    نجحت حملات حوادث الطرق في ايجاد تمويل لإنشاء جسور للمشاة، وهذا شيء ايجابي ربما حتى لو كان بين المتبرعين شركات سيارات، كما نجحت في شراء رادارات لمراقبة الطرق والتخفيف من السرعة القاتلة، وهو امر لا بد من التنويه به… ولكن السؤال الذي يطرح ايضا، لماذا لم تنجح حملات تلوث الهواء المديني الناجمة خصوصا عن قطاع النقل التي بدأت منذ عام 1995 وسبقت حملات حوادث الطرق في الزمن؟ لماذا لم تنجح خصخصة المعاينة الميكانيكية، وقد دلت الدراسات والقياسات الاخيرة ان معدلات تلوث الهواء، ولا سيما في المدن، لا تزال في حالة ارتفاع متصاعدة وخطيرة؟ لماذا لم تنجح حملات تلوث الهواء في إقناع المسؤولين بضرورة قبول هبات بتركيب أجهزة قياس تلوث الهواء على الطرق كما أقنعتهم عملية شراء أجهزة مراقبة السرعة؟

    هل في الأمر نقص في الوعي او في التوعية او الإعلام؟ ام هي نتيجة او ضريبة طغيان الإعلام المرئي السطحي الذي يحتاج إلى الضحية والجثة لكي يشعر بالكارثة ويتحرك؟

    ولكن هل حادث السير من جراء سيارة مسرعة كارثة وتلوث الهواء المميت من السيارة نفسها قدر؟!

    هل مقتل فرد بحادث سير قضية، والقتل الجماعي بالانبعاثات قضية أخرى؟

    ثم هل سألت جمعيات حوادث الطرق: لماذا السرعة؟ لما هذا السباق؟

    وهنا تظهر بوضوح مشكلة تخصيص العمل الأهلي واللجوء إلى حملات مخصصة لقضايا محددة، من دون ربطها ببعضها وبقضايا اجتماعية واقتصادية أخرى.

    وهكذا يمكن ان نجد ما يفسر لماذا تعمل جمعية على حوادث الطرق ولا تعمل على تلوث الهواء وتعتبر شركات التبغ والسيارات حليفة وراعية وداعمة وفاضلة!؟

    فالسرعة في قيادة السيارة والسباق، ليس منفصلا عن طبيعة النظام الاجتماعي والاقتصادي الذي نعيشه. فالسباق نتعلمه في نظامنا التربوي، والمنافسة نتلقنها في نظامنا التعليمي، كما في نظام السوق الاقتصادي. وتستمر المنافسة في العمل والترقي كما في السكن، كما في التبضع والتسوق، كما في الوقوف في المواقف كما على الرصيف… كما في أي شيء.

    والسرعة في القيادة ليست منفصلة عن سوء فهمنا لليبرالية ومفاهيم الحرية والاستمتاع بالتفرد، كما ليست منفصلة عن نظامنا الأبوي المتسلط الذي يحرض على حب القيادة الفردية. وهذا النظام ليس منفصلا عن سياسات النقل التي تشجع استخدام السيارات الخاصة بدل ان تشجع النقل العام…الخ .

    كما لا يمكن فصل مطلب السرعة في الانتقال الموهومة عن السرعة في الأكل والوصول الى أي مكان او منصب..الخ
    فمتى إعادة الاعتبار الى الأفكار والحملات الأكثر شمولا، وإعادة دمج القضايا غير المنفصلة أصلا وواقعا؟

    متى اعادة الاعتبار الى الخلفيات الفكرية والقيم الجامعة، الى الايديولوجيا، الى العمل الحزبي المنطلق من برامج شبه متكاملة تشكل فيها الحملات حلقات مترابطة، بدل تجزيء القضايا عبر جمعيات منفردة ومخصصة تنفع من جهة وتضر من جهة أخرى؟

    حبيب معلوف
    جريدة السفير
    21.12.2010

    Leave a Reply