• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    هل الإعدام عقوبة رادعة؟

    لقد ألغى لبنان عقوبة الإعدام ثم أعادها. واليوم، وبسبب المحكمة الدولية المختصة بلبنان، قررت الحكومة اللبنانية عدم تطبيق عقوبة الإعدام بحق الذين تدينهم المحكمة الدولية بالعقوبة القصوى. والأوروبيون كانوا قد اعتبروا معاودة تنفيذ أحكام الإعدام في لبنان “مخالفاً لروحية اتفاق الشراكة الموقّع بين الإتحاد الأوروبي ولبنان في حزيران 2002”. وأملوا “أن يتمّ تجميد فترة العمل بعقوبة الإعدام السارية المفعول في لبنان منذ 1998″…

    لبنان ليس من البلدان القلائل التي ما زالت تحتفظ بقانون إعدام القاتل وتطبّقه. فعلى الرغم من أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ينصّ على ” حق كل فرد في الحياة والحرية والأمان على شخصه… لا يجوز إخضاعه للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو الحاطّة بالكرامة “، لم تذهب الهيئة العامة للأمم المتحدة إلى حدّ منع الدول من تنفيذ عقوبة الإعدام، بل دعت ، في القرار الذي اتّخذته في 20 كانون الأول 1977، إلى “تقليص عدد الجرائم التي تعاقب بعقوبة الإعدام”… ثم صدرت، في العام 1991، عن الأمم المتحدة معاهدة عن عقوبة الإعدام اتّخذت الطابع الاختياري. وهكذا فإن حوالى المئة بلد في العالم قد ألغى عقوبة الإعدام يقابله العدد نفسه تقريباً من بلدان لم تلغِ هذه العقوبة.

    إذن، نستطيع القول إن العالم مقسوم إلى مجموعتين. واحدة تحتفظ في قوانينها بحق إعدام القاتل، وأخرى تحرّم على ذاتها ممارسة هذا “الحق”… ولكل من المجموعتين حيثياته وفلسفته في تبرير هذا أو ذاك الإتجاه. مع ذلك، فإن احتفاظ بلدٍ بممارسة قانون الإعدام لا يعني أن الأكثرية الساحقة من أبناء هذا البلد توافق على تطبيق هذا القانون والعكس صحيح أيضاً.

    الأهم من ذلك كلّه التبريرات التي يرتكز عليها مؤيّدو تطبيق الإعدام ومعارضوه.

    فمؤيّدو هذا القانون يرتكزون على مبرّرات عديدة أهمها: حماية الحياة العامة من المجرم المحكوم، وردع المجتمع للفرد عن ارتكاب الجرائم.

    أما معارضو تطبيق قانون الإعدام فإنهم يسوقون لدعم موقفهم هذا حججاً كثيرة أهمها: إن قتل القاتل لا يشكّل حلاًّ لردع الناس عن ارتكاب الجرائم. والبرهان على ذلك أن الدول التي تمارس قانون الإعدام لا تقلّ فيها نسبة الجرائم من جرّاء تلك الممارسة.

    على أيّ حال، فإن الجدل بشأن هذه المسألة سوف يبقى قائماً. وما يهمّنا، هنا، هو التوقّف عند مسبّبات جريمة القتل، وأسس تحديد مسؤولية القاتل، والوسائل الملائمة والكفيلة بإعادة تأهيل المنحرف والمجرم وبالتالي حماية المجتمع من العمل الجرمي.

    ففي هذا السياق نطرح للتفكير المسائل التالية:

    1- معروف في علم الاجتماع أن كل المجتمعات تفرز أنواعاً عديدة من “العقوبات” بهدف ضبط السلوك الاجتماعي، والسلوك الاجتماعي المقبول، أو السويّ، أو الملزم، تحدّده القوانين المكتوبة والرسمية، كما الأعراف غير المكتوبة والعادات والتقاليد. أما العقوبات التي يمارسها المجتمع بحق الشخص المعتبر “منحرفاً” فهي متعددة. منها العقوبة الجسدية والمعنوية والاقتصادية والاجتماعية. وقد يراوح بعضها بين حدّ الشماتة، واللوم، والتشهير، وحدّ حجز الحرية، أو ـ في الحدّ الأقصى ـ عقوبة الإعدام. إذن، المسألة هي، من جهة، نسبيّة في الزمان والمكان، وهي، من جهة أخرى، خاضعة لمبدأ الفعالية.

    2- معروف أيضاً أن الأسس التي يُبنى عليها تحديد المسؤولية، أو الجرم، أو الخطيئة، هي ثلاثة: المعرفة، والوعي، والإرادة الحرّة. فبعد ما اكتشفته العلوم الإنسانية، وبالأخصّ علم النفس، مَن يستطيع أن يحدد، تحديداً صحيحاً، مسؤولية فِعْلَة أي إنسان لينزل به العقاب الأقصى، أي ليحرمه حق الحياة وهو حق مقدس لا يملك التصرّف به إلاّ الله وحده؟

    3- تفيدنا العلوم الإنسانية أيضاً أن الإنسان الفرد هو ابن بيئته وثمرتها. فلماذا يتحمّل الفرد المنحرف وحده تبعة انحرافه ولا يتحمّلها أيضاً من حمله، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى ذلك الانحراف؟

    4- إن منع السلوك المنحرف هو، بدون شك، مسؤولية كبرى تقع على عاتق المجتمع ككل. ومن الوسائل المهمّة لمنع هذا المسلك هناك وسيلة “الوقاية” بكل أشكالها. لكن الاهمّ من كل ذلك هو القضاء على الظروف والعناصر الاجتماعية والنفسية التي قد تدفع بعض الناس إلى ارتكاب الجرائم. فمَن يحاسب المجتمع فيما هو يحاسب مَن قد يكون ضحية المجتمع؟ وكيف؟

    5- قد تكون عقوبة السجن من أشدّ العقوبات التي ينزلها المجتمع بالجاني أو المجرم. فالسجن هو حرمان من الحرية، والحرية هي أسمى حق يتمتع به الإنسان. فلماذا لا يكون السجن هو العقوبة الأقصى للقاتل؟

    6- لكن، إذا أردنا أن يكون السجن، في آنٍ معاً، رادعاً ومقوّماً للانحراف، فمن الضروري أن يتحوّل من وسيلة عقاب إلى وسيلة إصلاح. هنا تطرح مسألة وظيفة السجون في إعادة تأهيل المسجونين. وقد تكون هذه المسألة هي المفتاح لإغلاق باب عقوبة الإعدام.

    7- من المفيد معرفة النتائج النفسية، معرفة علمية، من جرّاء تنفيذ حكم إعدام، وذلك في نفوس وأذهان أهل الضحية وأهل الجاني وأقربائهما ومحيطهما.

    بعد قيام علم جديد يسمّى “علم الجرائم” نتساءل كيف يمكن لمشترع أن يسنّ قانون إعدام ويبقى ضميره مرتاحاً. من الأقوال التي يقولها الرافضون لعقوبة الإعدام: “جريمتان لا تصنعان عدالة”. فلنبحث جيداً عن الأساليب العادلة لتحقيق العدالة حتى لا نكون مشاركين في عملية “ثأر جماعي” باسم القانون.

    جيروم شاهين
    جريدة المستقبل
    14.12.2010

    Leave a Reply