• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    خمس سنوات بلا جبران تويني… كثير من الوهج المفقود

    سواء صحّت التوقعات المحمومة والمتعاقبة بوتيرة يومية أم طاشت سهامها ولم تصح “زمنياً” مئة في المئة، فإن المفارقة الكبيرة تبدو كأنها حاصلة: المحكمة الدولية ولدت نظريا في يوم اغتيال النائب رئيس مجلس الادارة والمدير العام لجريدة “النهار” الشهيد جبران تويني في 12 كانون الأول 2005، والقرار الظني “الأول” لهذه المحكمة الخاصة بلبنان اضحى بحكم الصادر في الذكرى الخامسة لاغتيال جبران تويني ولو ان احداً لا يملك معرفة ما اذا كان مضمونه سيأتي على مسألة التلازم والترابط بين جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري وجرائم محاولات الاغتيال والاغتيالات الاخرى ذات الصلة.

    واذا كانت للمفارقة ان تتخذ بعداً آخر مهماً، غير عامل التزامن بين الفعل الجرمي ورد الفعل القضائي بعد خمس سنوات ايضا، فهو في بلوغ “الأزمة الوطنية” ذروة غير مسبوقة حتى في مسألة يفترض انها من الثوابت البديهية المسلم بها انسانياً وسياسياً ووطنياً ودولياً، اي مسألة العدالة. جذور هذا الانقسام ترقى الى العام 2005، مع انشطار البلاد بين معسكري 8 آذار و14 آذار، وليس تطوراً عادياً ان يكون طلب حكومة الرئيس فؤاد السنيورة انشاء المحكمة الخاصة بلبنان مساء 12 كانون الاول 2005 قد افضى في تداعياته الى انسحاب وزراء 8 آذار آنذاك ومن ثم استقالتهم، في حين يقف لبنان اليوم، على مشارف صدور القرار الظني والذكرى الخامسة لاغتيال جبران تويني امام “احدث” أنماط الازمات الكبرى التي عرفها في تاريخه الحديث، وليس من المستبعد ابدا ان تضحي ازمة حكم بكل المعايير هذا اذا “ترفق” القدر باللبنانيين وظلت في اطارها السياسي الصرف ولم تخرج عن هذا الاطار.

    ومع ذلك، وبعيداً من حمى الاستباقات المتعجلة او المستأخرة، تهبط هذه المفارقة على الذكرى الخامسة لاستشهاد جبران تويني لتكسبها مزيداً من الرمزية والدلالات ليس في السياق التصاعدي للأزمة الداخلية منذ اندلاع حرب الاغتيال فحسب، بل اساساً في اعادة تسليط الضوء بقوة على صاحب الذكرى ولو انه من قماشة لا تستدعي ابداً تذكيراً لفرط ما كانت سيرته الصحافية والسياسية والوطنية شديدة الصخب والأثر والتأثير. لذا فإن “استعادة النظرة” الى جبران تويني بعد خمس سنوات من اغتياله، تبدو أمراً ملحاً لعارفيه ومن وقفوا ويقفون الى ضفته ربما اكثر منها للآخرين، ليس بدافع الانفعالات هذه المرة، بل لتلمس الخط البياني لصاحب الذكرى على نحو اكثر عقلانية، وعند ذاك لا بأس ان تغدو الذكرى قرارا ظنيا “في البال”.

    فالمفجع بعد السنوات الخمس ان تكثر بل وتتضاعف القناعات الذاتية “في البال”، فيما يخلو ملف التحقيق في جريمة اغتيال جبران تويني من اي شيء يؤذن بتطوره بفعالية نحو استجماع خيوط الجريمة ومرتكبيها، ما خلا معلومات يعرفها الجميع، ولا امر استثنائيا طرأ منذ استجماعها.

    ثمة “اسطورة” تقول ان جبران تويني “سكر” بثورة 14 آذار 2005 الى حد “الانتحار” سكراً وافتتاناً وهوساً بها. والمفارقة ايضاً، ان جبران نفسه كذب هذه الاسطورة عندما كتب في افتتاحية “النهار” قبل ثلاثة اشهر من اغتياله، في 8 ايلول 2005 “ايانا ثم ايانا ان “نسكر” ببداية انتصار الحق مع بداية انكشاف الحقيقة وقبل تثبيت هذا الانتصار”. حتى انه في “المقال الاخير” الذي كتبه في 8 كانون الأول 2005، اي قبل أربعة أيام فقط من اغتياله، وتناول فيه ملف المقابر الجماعية، لم يكن احد في لبنان قد اثار بعد ما يسمى “شهود الزور”، ولا كانت هناك تسمية مماثلة، فأشار الى استخدام “هسام هسام سلاحاً فارغاً وبالياً ضد لجنة التحقيق الدولية وضد لبنان”، كما سخر من ادبيات ذلك الزمن التي ارادت ان تقول ان “الرئيس رفيق الحريري انتحر ومعه باسل فليحان ورفاقهما وكذلك سمير قصير وجورج حاوي، كما “انتحر” غازي كنعان، كما حاول مروان حماده ومي شدياق والياس المر ان ينتحروا”.

    بطبيعة الحال كان الموقف المناهض بشدة للنظام السوري ووصايته على لبنان وعبر النظام الامني السوري – اللبناني وعهد الرئيس اميل لحود السمة الجوهرية والاساسية البارزة في مسيرة جبران تويني خصوصا ما بين العام 2000 وتاريخ اغتياله. غير ان اختصار سيرته بهذه السنوات الخمس، بعد خمس سنوات من استشهاده لا يقيم الصورة الموضوعية الكافية لها وان كانت بيضة القبان الوازنة في المسار السياسي والصحافي لجبران تويني.

    واقع الحال ان العام 2005 كان ذروة الصعود والألق لجبران، وهنا تماماً يكمن وقع الفجيعة الدراماتيكية اذا كان يصح المفهوم الانساني والشعبي في تلقي الفجائع واسقاطها على سير اصحابها. ولكن في المنحى الاجرامي، لا يمكن اسقاط لحظة الاغتيال وعزلها عن رصد القتلة للضحية وتعقب احوالها. فهذه القاعدة تفترض بطبيعة الحال ان القتلة اسقطوا ضحيتهم التالية، بعد رفيق الحريري وباسل فليحان وسمير قصير وجورج حاوي، ناهيك عن الشهداء – الاحياء مروان حماده والياس المر ومي شدياق، بعدما رصدوا خطورة صعوده السياسي والصحافي والاعلامي وتاليا الوطني.

    في ذلك العام، كان جبران تويني يعيش حلم حياته الحقيقي. كان قد انجز في آب من السنة السابقة انتقال “النهار” من مبناها في الحمراء الى المبنى الجديد في وسط بيروت، قبالة ساحة الشهداء وتمثال الشهداء تماماً.

    ولهذا التمثال التاريخي قصة عند جبران، اذ توسل “بالتواطؤ” مع الرئيس الشهيد رفيق الحريري “اللمعة الصحافية” لنقله من الكسليك حيث اخضع التمثال لاعادة ترميم الى وسط بيروت، “في غفلة” عن العهد اللحودي آنذاك. ثم شكلت مرحلة ما بعد التمديد للرئيس اميل لحود واغتيال الرئيس الحريري ذروة اندفاعه السياسي والاعلامي، الى ان “انضم” في ايار 2005 الى رعيل النواب المنتخبين على وقع اكبر حركة استقلالية وشعبية وسياسية، حتى انه على المستوى الشخصي ايضا رزق وزوجته سهام بتوأمهما ناديا وغبريالا.

    لكن المنطلق الاساسي للصعود بحق يرقى الى العام 2000، ولو ان التطور التدريجي لجبران لا يمكن ان يحصر بذلك العام وهو الذي انخرط مبكرا ويافعا في الحياة العامة الى جانب كونه جبران غسان تويني والارث الكبير لجده ووالده و”النهار”.

    في العام 2000 تحديداً لا يتصل الأمر فقط باستلام جبران المسؤولية الكبيرة في “النهار”، بل “بالزواج الماروني” الذي وجد نفسه مشدودا بقوة جارفة الى بكركي مع اطلاق البطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير على رأس مجلس المطارنة النداء الاول الشهير داعيا الى انسحاب القوات السورية من لبنان وانهاء عصر الوصاية عليه. آنذاك كان جبران سباقا في كتابه المفتوح الى الرئيس السوري بشار الاسد عقب توليه سدة الرئاسة. كتب جبران كتابه المفتوح في 23 آذار 2000، اي قبل ستة اشهر من نداء المطارنة ليشكل لجبران ذروة طموحه في الرأي السباق والتعبير الحر الجريء الذي لا يعرف محرمات ومحظورات، وباتت مقالاته على سكة غير مرتدة في نهج يلاقي النقلة الهائلة في خطاب بكركي. عندذاك اضحى جبران، ابرز صوت ارثوذكسي صارخ، الابن المدلل لبكركي. وما بين العام 2000 والعام 2004، تاريخ معركة مناهضة التمديد للرئيس اميل لحود، بدأ جبران تويني يصبح “زعامة” مسيحية صاعدة اكبر من الحجم المعتاد لحجمه. وفّرت له “الكاريسما” الجاذبة لصفوف الشباب ألقاً استثنائياً جعلته متميزاً بين أقرانه في “لقاء قرنة شهوان”، وهو الامتياز نفسه الذي “انتقل” معه بل وتضاعف الى ائتلاف قوى 14 آذار. على قصر المدة التي عاشها جبران داخل نادي 14 آذار، ظل محاطاً بحلقة خصوصيته التي زادها تهديده بالقتل توهجاً، خصوصا انه بعد تبلغه “الانذار” بالقتل اندفع بقوة جارفة الى المواجهة عبر مقابلاته التلفزيونية ومقالاته، حتى ليمكن اعتبار المرحلة ما بين آب 2005 و12 كانون الاول منه “تاريخاً” خاصا به. كان يبدو اصلاً مدركاً تماماً انه عرضة للقتل. ظهيرة يوم 14 آذار 2005 تحديداً، كانت الطبقة السادسة من مبنى “النهار” تضيق بمئات السياسيين والصحافيين والمراسلين لكون المبنى في قلب الساحة المختنقة بالحشد المليوني التاريخي. وبالكاد كانت مراسلة لمحطة تلفزيونية اميركية تسعى الى التقاط تعليق جبران، الذي بدا “كأم العريس” هازجاً للحدث. لم يتأخر لحظة في القول للمراسلة “أعرف جيداً انهم سيقتلونني”.

    بعد ذلك بدقائق اختفى من بين الحضور واختلى بنفسه لدقائق وزاد بضعة اسطر على خطاب اعده لالقائه امام الحشد. وعرض ما كتب على احدهم، فتبين انه “القسم” الشهير. استوحى جبران القسم من لحظة الحشد وبانفعاله الشديد حياله. هكذا كانت سليقته الصحافية والسياسية في آن، قرينة عفويته وجرأته التي تبلغ حد التهور امام ما يؤمن ولا يعرف الخوف مكاناً لديه. ما كان يخيف فيه هو عدم خوفه، ولذا ذهب معه “الصوت الجارف” ولم يعوضه احد، وسقطت باغتياله زعامة مختلفة صاعدة لم يعوضها احد في تركيبتها الخاصة بين صوت لبناني صرف يمزق حجب المستورات والممنوعات والترهيبات فيما هو يستند الى إرث لا يحتاج الى شهادة، حتى باستشهاد صاحبه، بدليل ان كثيراً من بريق “الحرية” كأنه ذهب معه وذبل كثير مما استشهد لأجله.

    نبيل بومنصف
    جريدة النهار
    10.12.2010

    Leave a Reply