• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    عقل الدولة في العالم العربي… من أين نبدأ؟

    بعد أن شهد الغرب مرحلة أفول دولة الرعاية وانتقل إلى نمط جديد من الحداثة السياسية، فشل العالم العربي في بناء دولة تحاكي الأنساق الحداثوية لأنظمة الحكم الديموقراطي، ولعل سطوة مفاهيم الطائفية والعشائرية في ديار العرب المترامية، تمثل أحد أبرز معوقات هذا الهدف المنشود. وهنا، يأتي استحضار العلاّمة ابن خلدون الذي استفاض في مقدمته بشرح طبائع العرب، وعدم انقيادهم للحكم، ليمثل حلقة الوصل التاريخية الممتدة على مدار قرون طويلة من التيه، بحثاً عن العقل السياسي ـ أي الدولة الحديثة ـ القادر على تدبير أمور الجماعة وفق آليات المواطنة والمساءلة والعقد الاجتماعي، والحال لماذا تعثر بناء الدولة الحديثة في مجتمعاتنا؟ وما معنى استفحال الارث الطائفي والقبلي في بيئة أخذت من الغرب أنماطه الاستهلاكية ولم تنجح في ملاقاته على مستوى العلم والحداثة السياسية؟ وهل الاستشهاد بابن خلدون في الأزمنة المعاصرة يقدم جواباً شافياً على طرحنا الإشكالي؟

    تبدو معضلات انتاج الدولة الحديثة مزيجاً لعوامل مختلفة، ورغم ثقل الموروث الاجتماعي، والمنظومة البطريركية، والاتجاه المفرط نحو الماضوية، التي تعيق في جزء منه مقومات الصرح المؤسساتي، أي الدولة، فإن أنماط القبلية والطائفية والتمذهب، تمارس الدور الأشد تأثيراً، وعليه كيف يمكن الحديث عن الجمع بين الخاص والعام، أي الثقافة المحلية للقوميات والاثنيات والأديان، التي تبدي ممانعة للتحاور مع الآخر على قاعدة المواطنة؟ وما دور المؤسسات الرسمية إزاء هذا التعدد؟

    في هذا السياق تقدم الحالة اللبنانية أجوبة شديدة التشابك، المحلي/ المذهبي الذي اتخذ لنفسه مواقع جغرافية، او فيدراليات جاهزة للتعبئة، يرفض الانخراط في الدولة، وهو غير قادر على العبور من ذهنية النبذ والتناحر مع الآخر إلى عقلية الجمع المؤسسة لنظام سياسي حديث، بمعنى أن الطوائف المنتشرة في لبنان، تتنابذ في ما بينها، وتمارس عنفها بشكل ضمني ومعلن تجاه بعضها البعض، ومرد ذلك عائد بالدرجة الأولى إلى تغييب الممارسة العقلانية في ادارة شؤون هذه الطوائف، والتي آثرت الإبقاء على انغلاقاتها، متأرجحة بين رجال الدين والطبقة السياسية، الخائفين بدورهم على سلطانهم من عقل الدولة، في حال اتخذ قرار ببنائها عبر الحوار مع التعدد وطبقاته وإشراكه في الحكم بمنهجية ترفض الانصياع لصيغة المناصفة وتخريجاتها الطائفية.

    طبعاً، تتخطى المعضلة اللبنانية مؤشرات الاستعصاء الراهنة المشار إليها، فقد دخلت في أزمتها أقله منذ التأسيس لدولة لبنان الكبير عام 1920، وحجم الممانعة بين المحلي والوطني، كرسه الدستور، بدءا من عام 1860 وصولا إلى اتفاق الطائف، الذي نص على إلغاء الطائفية السياسية، وطالب باللامركزية الإدارية، بينما الثقافة السائدة بين الطوائف تحكمها ثلاثية، اثبات الذات، والخوف من الآخر، وعدم الالتزام بالقانون، وعلى هذا الأساس تتفاقم فوضى الطوائف في لبنان وينتج عنها عنف سياسي، اتخذ اطاراً دمويا في مراحل كثيرة، بعد ان تشكلت جبهات طائفية ضد الدولة ومؤسساتها.

    على ضفة العالم العربي، الذي سبق ان مر بتجارب الهم النهضوي في أواسط خمسينيات القرن الماضي، والذي تراجع لأسباب يتداخل فيها الخارجي مع الداخلي، لم تنجح أنظمة الحكم التي ورثت الارث السلطاني، على جبهتي الحكم الجمهوري والوراثي، في الاعداد لمقومات الدولة الحديثة، فالعشائرية أو القبلية فعلت فعلها، وتركت مؤثرات خطيرة داخل مؤسسات الحكم والادارات العامة، وباستثناء النظام السعودي المأزوم، الذي لم يمر بتجارب الديموقراطية، تحولت هذه الأنظمة مع الوقت إلى نمط من البداوة الجديدة، أو البدوقراطية، فالإرث القبلي مارس حضوره وانتصر على الملامح الأولية للاتجاهات النهضوية التي احتل سؤال الدولة الحديثة غالبية أدبياتها السياسية، وبصرف النظر عن جدلية العلاقة بين الانتلجنسيا العربية والجمهور، لا مشاحة، ان المجتمعات العربية الآخذة في محاكاة الغرب على مستوى الحداثة المادية، تعيش ازدواجية او انفصاما بين ارثها القبلي وصدامها مع الحداثة المادية.

    سياسيا، عجزت الأنظمة منذ مراحل الاستقلال عن استلهام أو توليد دعائم الحكم الحداثوي، فالمعارضة محاربة على جبهات متعددة، والحكام يمارسون أشد أنواع القمع إما للإبقاء على سلطتهم وثرواتهم المتراكمة، وإما لتوريث سلطانهم العابر للقرابة الدموية، حتى عند الذين يكرس دستورهم النظام الجمهوري أو الرئاسي.

    غلبة الطائفية والعشائرية، توازيها سيطرة الشعبوية، او الجمهور المستلب عن واقعه، الذي تتقاذفه منهجية التوهيم بالدين حيناً، وبالحيلة السياسية حينا آخر، وهو بهذا المعنى يمارس عنفا طوعيا او ذاتيا على نفسه، لدرجة أنه غير قادر على المطالبة بالحد الأدنى من حقوقه، وفي هذا المجال نتساءل، لماذا المواطن الغربي يتحرك في الشارع ويبدي معارضته لأي قرار يرى فيه إهدارا لحقوقه، في حين أن العربي يستكين للإذعان والهزيمة تحت شعار لعن الحاكم بصمت؟ ألا يؤشر ذلك إلى عدم تدرجه نحو المواطنة ومفاهيم المساواة والفردية التي من شأنها ان تفسح المجال أمام المساءلة، وحتى إسقاط الحكومات إن أخطأت؟

    المشهد العربي يبدو مظلما، فالديموقراطية التي يكثر الحديث عنها بين العامة والنخبة وأولي الأمر، لم تأخذ مسارها بعد، وأسباب هذا العجز متعددة، أولها، التوريث السياسي في الأنظمة الملكية والجمهورية، ثانيها، إقصاء الجمهور عن صناعة القرار، ثالثها، العلاقات الملتبسة بين الطبقة الحاكمة والناس، رابعها، تجديد نمط الحكم السلطاني، هذه المسببات لا تجيب وحدها عن معضلة قيام الدولة الحديثة في العالم العربي المترامي الأطراف الذي يملك ثروات لم يستطع حتى اللحظة توظيفها في التنمية البشرية والادارية والعلمية، وعليه لماذا ضمُرت حركات المعارضة المنظمة عندنا مقارنة بمراحلها الذهبية أوائل الخمسينيات والستينيات؟ وأين هي النخبة من الأسئلة التي يفرضها الواقع المأزوم؟ ولماذا يدخل العرب في دائرة مغلقة من التخلف والاستبداد والقمع؟

    ريتا فرج
    جريدة السفير
    07.12.2010

    Leave a Reply