• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    غابةُ مستباحة

    هذا الاعلان لجمعية "بحر لبنان" ووزارة البيئة يجسد الواقع المرير الذي وصلته حالة البيئة في لبنان

    سأل قُدَار بن سالف الهري جواد بن الأمدح: هل زرت ديار بني غفيلة؟

    قال: زرتها مرّتين، قبل أنف الربيع وبعد مقبل البوار.

    وماذا وجدت؟

    قال: أناسها يختلفون على الزرع والضرع والمشرق والمغيب، ولا يلتقون حتى عند جدائل البيوت.

    وأرضهم؟

    قال: قفراء حفراء.

    وجوارهم؟

    قال: لا يتقاربون إلا بالعداء.

    عندئذ قال قُدَار: لن يطول بهم الأمر.

    … لا يمرّ يوم من دون أخبار مصورة، وتحقيقات معزَّزة بالوقائع والأسماء والأرقام عن مخالفات لا تُحصى، ولا تسلم منها منطقة، أو تخلو منها أرض.

    ومن الناقورة الى النهر الكبير، يفاجئك هذا اللبنان، المغلوب على أمره سياسيّاً ووطنيّاً، انه مباح ومستباح بلا رقيب أو حسيب.

    وعلى كل الصعد. وفي شتى الحقول والميادين:

    آثار تنهب أو تضيع. تُراث ينهار تباعاً، متنقلاً من هذه المدينة الى تلك القرية، مروراً بمواقع تاريخية تختزن في باطنها ثروات من الحضارات.

    صخور في الجبال الشاهقة، وفي الوهاد والحنوات، تُطحن وتتحوَّل مواد متعددة الاستعمال في كل مجالات البناء.

    بحر سائب، يسطو عليه كلّ مَنْ اهتدى الى وسيلة حماية، تغطيه المزابل الصاعدة في الارتفاع والحاجبة عن مداه الرؤية، ويرجمه الطمع على طريقة المثل القائل بتبليط البحر، وبدافع من البحث عن مزيد من مصادر الملايين لنفوس لا تشبع.

    أما الشواطئ فحدٍّث بما اكتسبت من لغة الهجاء والتأنيب، وإن كان من غير طائل أو جدوى. أملاك عامة ومشاعات تبتلعها شركات ومؤسّسات متخصَّصة في حقل تحليل المحرَّم وتحريم المحلّل، واذا ما سألت عن الفاعل، فيأتيك الجواب انه مجهول.

    حتى المياه، وبكل مصادرها، وبكل فائضها، وينابيعها وأنهرها التي تُهدْرَ عادة في مصبَّات الى البحر، فانها مستباحة بدورها، وفالتة من كل رقابة أو مساءلة.

    وكل يوم يفاجئك المزيد، في هذا الحقل أو ذاك. وكل يوم أكثر فأكثر، تزداد اقتناعا بالفلتان والاهمال في بلد اقرب الى غابة لا رقيب عنده ولا حسيب. لا قوانين تردع، ولا مَنْ تردعهم القوانين.

    وطبعاً، لا ضمائر تُنهي، ولا شعور بالمسؤولية يلجم.

    براً، بحراً، جواً. وحيث يَصل المستبيحون، المخربون، الضاربون عَرض الحائط كل المحرَّمات والممنوعات، وكل ما يصبُّ في خانة المصلحة العامة، والثروات العامة. من فقش الموج الى مرمى الثلج.

    دولة معطَّلة. مؤسَّسات معطَّلة. قوانين معطّلة. أخلاق معطَّلة. والرزق السائب يعلٍّم الناس الحرام، فكيف اذا كان بلد بأسره سائباً، تحكمه الفوضى، ويديره التعطيل والشلل، ويتصرف بثرواته أناس لا وازع ولا مانع، ولا شفقة ولا رحمة.

    وإن كان لن يطول بهم الأمر.

    مريع ومفجع للغاية، ومثير للسخط والغضب، أن يتحوّل لبنان غابة بلا أسوار ولا نواطير، يتناوب عليها الجشعون والفاسدون وصيادو الفرص والحروب والمآسي.

    ولكن، على من تقرأ مزاميرك؟ ومَنْ تقرِّع وتؤنّب؟

    زيان
    جريدة النهار
    06.12.2010

    Leave a Reply