• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    بين أن تكون المحكمة الدولية إنجازاً أو سبباً للفتنة

    تتعامل هذه المقالة مع فرضية أن القرار الاتهامي الذي سيصدره المدعي العام الدولي دانيال بلمار سيتضمن اتهامات لأفراد أعضاء في “حزب الله”. وهي فرضية سلّم بها الحزب المذكور وأقرّها واقعاً منذ أشهر وقبل صدور القرار المفترض، ويتعامل معها بوصفها أمراً لا مفر منه. وعليه أخذ “حزب الله” يتوعّد قسماً كبيراً من اللبنانيين بالويل والثبور ويهددهم باستقرارهم وبسبل عيشهم وبديمومة دولتهم وكيانهم ومؤسساتهم السياسية والدستورية، إن هم استمروا في طلب العدالة وفي تأييد المحكمة الدولية الخاصة بلبنان. وإذ هو استسهل، بدايةً، القول إن من هم مؤيدون للمحكمة وعملها هم عملاء لإسرائيل، يستصعب حالياً إقناعهم ببراءته من الاتهامات الافتراضية، عدا عن صعوبة تسويق روايته بأن إسرائيل هي التي قامت بسلسلة الاغتيالات المشهودة منذ شباط 2005، خصوصاً وأن شهداء الاغتيال هم في ظنون جمهور “حزب الله” عملاء صهاينة أصلاً و”متآمرين على المقاومة” و”متواطئين مع أميركا وفرنسا وإسرائيل في إصدار القرار الأممي 1559″.

    المهم برأينا، لا الاتهام الرسمي ولا تهديدات حزب الله ونظرياته. فالضرر الذي لحق بالحزب جراء “القرار الاتهامي” المنتظر، وقع قبل إعلانه. بمعنى أن قناعة القسم الأكبر من اللبنانيين ترسخت بأن النظام الأمني الذي كان قائماً قبل العام 2005 هو المسؤول عن الاغتيالات، وأن هذا النظام الأمني تضمن في تركيبته جهازاً أمنياً هو الجهاز الأمني لحزب الله. وبناءً على هذه القناعة الشعبية، فإن تنفيذ هذه الاغتيالات (ومعها التفجيرات الليلية المتنقلة) تورّط وشارك فيها أفراد من حزب الله. بل إن الجمهور الذي يؤيد حزب الله ويناصره، غالباً ما ينحو الى القول أن الذين تم اغتيالهم يستحقون ذلك. ففي تعليقات قرّاء المواقع الإلكترونية ينزع أغلبية مؤيدي “الممانعة” وأحزابها الى القول: “ولماذا لا تلتفتون الى جرائم إسرائيل في فلسطين وجرائم أميركا في العراق وأفغانستان؟”. وهم ضمنياً يطالبون بمساواة افتراضية في الشر وفي أعمال القتل، بمعنى “نحن نقتل وهم يقتلون.. وهذه قسمة عادلة”، غافلين عمداً أو جهلاً عن عدالة “لا تقتل” أصلاً، عدا عن تجاهل الفارق الجوهري الذي ميّز اغتيالات لبنان. فعلى حد علمنا أن الذين تم قتلهم فيها هم ليسوا أعداء تاريخيين للمسلمين وللعرب وللبنانيين.

    المعضلة التي ستنشأ عن صدور القرار الاتهامي، باتت واقعة قبل صدوره: حزب الله المتهم يمثل عصب وقوة وسلاح ورأي الطائفة الشيعية في لبنان، بل هو يمثل أهم تشكيلة سياسية منظّمة في لبنان. وعدا عن كونه حاجة استراتيجية سورية إيرانية لا يمكن الاستغناء عنها عند هاتين الدولتين، فهو بمثابة ثاني أهم رب عمل في لبنان بعد مؤسسات الدولة. وبالتالي فإن استهداف حزب الله سيجرّ ولا شك على لبنان الكثير من المتاعب والاضطراب. فهو تلقائياً استهداف للطائفة الشيعية ولسوريا ولإيران. وحزب الله المهدد بالاستهداف الدولي يتهدده أصلاً استهداف إسرائيلي في أي لحظة، وما بينهما يشعر بأنه متروك لمصيره من قبل أغلبية اللبنانيين (حسب الانتخابات النيابية على الأقل).

    لن يفعل القرار الاتهامي لحظة صدوره صدمة مفاجئة، بقدر ما سيقدم معلومات وتفاصيل وأدلة وقرائن وأسماء. التداعيات تحققت سلفاً، إذ أن الحكومة موقوفة ومجلس النواب شبه معطّل، وطاولة الحوار الوطني مؤجلة الى أمد غير منظور، والرأي العام منقسم بين مؤيد لحزب الله مهما حدث ومهما انكشف، ومؤيد للمحكمة الدولية مهما كان الثمن ومهما كانت النتائج. لن يقول القرار الاتهامي ما يغيّر هذا الواقع، بل ولو حدثت معجزة عدم صدوره وتم حتى إلغاء المحكمة الدولية، فإن هذا الواقع سيظل قائماً وعلى نحو أسوأ مما لو ظلّت مجريات العدالة سائرة. فمن دون المحكمة سيتحوّل النزاع والانقسام الى تاريخ مكبوت ومادة لنظريات المؤامرة وخميرة لضغائن وأحقاد ستظل حيّة لزمن مديد، ومن دون المحكمة سيتمدد تاريخ العنف اللبناني (وزمن الإفلات من العقاب) الى عقود أخرى.

    المعضلة الفعلية أن النظام السياسي في لبنان، بما هو دولة وأحزاب وتيارات وزعامات، لم يبدر عنه أي استعدادات مسبقة ومطلوبة لاستيعاب تداعيات صدور القرار الاتهامي. فهو يبدو إتكالياً للغاية، ويلعب دور التلقّي والانتظار، ينتظر “المسعى السوري السعودي”، ينتظر دوراً تركياً، ينتظر رأياً إيرانياً، ينتظر موقفاً فرنسياً أميركياً. وعدا عن الحركة الواسعة التي يقوم بها رئيس الحكومة في جولات بين البلدان المعنية، فإن “الاستيعاب السياسي” اللبناني لما سيلي صدور القرار الظني غير موجود، فحتى خطاب رئيس الجمهورية بمناسبة عيد الاستقلال خلا تماماً من أي إشارة أو كلمة عن المحكمة الدولية. وهي الفكرة المقلقة الوحيدة للبنانيين.

    بطبيعة الحال فإن المقولة التي يروّج لها بكسل أقطاب 14 آذار بأن الاتهام سيطال فقط أفراد حزب الله ولن يطال مؤسسة الحزب ولا الطائفة. هي مقولة تظل، رغم حسن نواياها، غير مجدية ومتعامية عن حقيقة أن اتهام أولئك الأفراد جنائياً سيكرّس اتهام حزب الله سياسياً وأخلاقياً، ما يعني تالياً في الوعي الشعبي: اتهام الطائفة الشيعية. وهذا هو مكمن الخطر الذي يستدعي استنفاراً سياسياً، مع الكثير من المقدرة الإبداعية، لتجنّب هكذا تداعيات. وهي تداعيات ربما تكون في نهاية المطاف مطلب المتهمين وأمنيتهم للإفلات من العقاب.

    لذلك، وقبل صدور القرار الظني، يجب أن يبدأ العمل السياسي لإنتاج “سياسة” لبنانية تبادر الى “تفكيك” ذاك السيناريو المحتمل على قاعدة أن مشكلة حزب الله مع نفسه ومع المحكمة هي مشكلته وحده. والطائفة الشيعية ليست بريئة فحسب، بل هي ضحية تحتاج للعناية الفائقة، وتحتاج الى الكثير من التطمينات حاضراً ومستقبلاً ويجب أن تتوافر لها بسخاء. بل الذهاب أبعد من ذلك للقول أن اللبنانيين جميعاً يحتاجون اليوم الى مبادرة سياسية كبيرة تخرجهم من ثنائية 8 و14 آذار على أساس العدالة، لا على حسابها. فالهدف النهائي من مطلب العدالة ليس الاقتصاص من المجرمين والقتلة الذين قاموا بالاغتيالات فحسب، لكنه أيضاً إدانة رمزية لكامل تاريخ الاغتيالات في لبنان. وهذا الهدف ليس إرساء لمبدأ العدالة في الوعي العام فقط، لكنه أيضاً إرساء لقطيعة تاريخية مع ثقافة العنف.

    وعلى أساس البعد الأخلاقي للتمسك بمبدأ العدالة (وهو عميق في الوعي الشيعي مع مفهوم “المظلومية”) لا بد من سياسة مصارحة ومراجعة ومصالحة. وهذا ما بيّنته كل التجارب التي عاشتها المجتمعات التي اختبرت نزاعات أهلية وحروباً مديدة من جنوب افريقيا الى الأرجنتين الى يوغوسلافيا وكمبوديا…

    من واجبنا كلبنانيين اليوم القول إن أي محاولة من قبل أفراد قتلة للاحتماء بجماعة أهلية أو طائفة لهي جريمة إضافية يرتبكونها، بقدر ما يكون اتهام جماعة أو طائفة جريمة كبرى بحق اللبنانيين جميعاً تطيح بالعدالة وبالمحكمة في آن معاً.

    بعد ذلك، قد يتاح لنا الادعاء بأن القرار الاتهامي هو إنجاز وطني وليس “مصيبة”، وأن المحكمة الدولية ضرورة وطنية، وليست “مؤامرة”. ضرورة نحو لبنان مختلف، حيث فكرة “العدالة” تتجاوز الطوائف الخائفة والطوائف المستأثرة والطوائف المغبونة والطوائف المستقوية.. إلخ.

    الاستعداد السياسي اللبناني لقرار الاتهام وتداعياته، ما زال غائباً. لم يتجرأ أحد بعد على التفكير في كيفية استدعاء الطائفة الشيعية الى الإجماعات الوطنية و”المشترك” الميثاقي الدستوري، وفي كيفية تفكيك “دولة” حزب الله، والفصل بين مبدأ المقاومة لأي احتلال والتشكيل العسكري لحزب الله، والفصل بين حزب الله ككيان سياسي وحزب الله كجهاز أمني ميليشياوي.

    هذه الإشكالية هي المضمر في طاولة الحوار الوطني: الاحتكام الى الدستور، وصياغة استراتيجية دفاعية وطنية. ومع فشل هذا “الحوار” بات استحقاق القرار الاتهامي يلحّ أن نبتدع خطاباً سياسياً جديداً. وتلك هي مهمة 14 آذار الآن، لا مهمة مصر والسعودية وسوريا وإيران وتركيا…

    يوسف بزي
    جريدة المستقبل
    05.12.2010

    Leave a Reply