• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    اللامركزية في لبنان: نحو مبادرة إصلاحية مرحلية

    تشكل قضية اللامركزية في لبنان احد المرتكزات الإصلاحية الأساسية التي التزم بها رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان في خطاب القسم كما جعل منها البيان الوزاري لحكومة الوحدة الوطنية بنداً رئيسياً في إطار برنامجها المستقبلي.

    واللامركزية اللبنانية التي تشكل البلديات واتحاداتها شكلها الوحيد في وطننا أضحت اليوم ـ وبعد مرور أكثر من ثلاث عةقود على صدور القانون الناظم لها ـ لا مركزية غير فاعلة، لا تستجيب لمتطلبات توازن الإنماء على الساحة اللبنانية، وأفضت إلى تفاوت إنمائي مناطقي يحمل في ثناياه مخاطر لا حصر لها على الاستقرار الوطني. وما الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية القائمة في الشمال اللبناني إلا بعض من نتائج ضعف اللامركزية اللبنانية وهامشية دورها.

    ويشكل التزام السلطة المركزية بتطوير اللامركزية اللبنانية وتحديث قوانينها وأنظمتها وتفعيل دورها على المستويات الإنمائية والخدماتية بارقة أمل حقيقي على دروب غد لبناني أفضل رغم كل المعيقات الناجمة عن موقف جزء هام من البنية السياسية اللبنانية والتي عبرت في الماضي القريب والبعيد عن طموحها للإمساك بالبلديات ووضعها تحت هيمنتها المباشرة لتستخدمها في تقديم الخدمات لأنصارها ومحازبيها. وما يعزز التشاؤم في هذا المجال هو مصير المبادرة الإصلاحية الأخيرة لنظام الانتخابات البلدية التي طرحها وزير الداخلية والبلديات زياد بارود قبيل الانتخابات البلدية الأخيرة وأجهضتها البنية السياسية اللبنانية في توزيع لافت للأدوار.

    ما هي اللامركزية؟

    اللامركزية عامة، هي نقل صلاحيات ومسؤوليات ومصادر تمويل من السلطة المركزية إلى سلطات محلية، بهدف إدارة شؤون مناطقها ومجتمعاتها.

    وتتخذ اللامركزية في العالم أشكالاً مختلفة تبدأ باللامركزية السياسية في الدول الفيدرالية الطابع، وتنتهي باللامركزية الإدارية بشكليها الرئيسيين المتمثلين باللاحصرية Deconcentration ـ بما هي تفويض السلطة المركزية صلاحيات معينة إلى موظفين في الإدارات الرسمية البعيدة عنها جغرافياً، واللامركزية Decentralisation بما هي نقل الصلاحيات والمسؤوليات ومصادر التمويل اللازمة إلى سلطات محلية منتخبة من مجتمعاتها لتمكينها من إدارة شؤونها وإنماء مرافقها وتقديم الخدمات الأساسية لمواطنيها، وبين هذين الشكلين توجد أشكال أخرى من اللامركزية على مستوى العالم من بينها اللامركزية الاقتصادية أو لا مركزية الأسواق والخصخصة وغيرها.

    إلا أن التكوين المجتمعي اللبناني وصغر حجم لبنان الجغرافي وطبيعة نظامه السياسي تفترض التركيز على اللامركزية الإدارية بما هي الشكل الأنسب للامركزية في وطننا، لافتاً إلى ان التجارب العالمية كلها أثبتت وجود تلازم واضح بين فعالية اللامركزية ونهوض مجتمعاتها وتقدّمها.

    اللامركزية في لبنان إلى أين؟

    تتداول المؤسسات الرسمية اللبنانية مشاريع وأفكاراً عدة تتناول تطوير اللامركزية في لبنان، وتشمل تلك الأفكار والمشاريع إعادة توزيع جغرافي للأقضية والمحافظات، وبالتالي المقاعد النيابية، بالإضافة إلى خلق مستويات جديدة للعمل اللامركزي تضاف إلى المستوى القائم، والمتمثل بالبلديات واتحاداتها، بهدف تعزيز دور المؤسسات اللامركزية.

    إن التطوير المرتقب لبنى اللامركزية عبر إحداث مؤسسات جديدة تتمتع بالشخصية المعنوية، إلى جانب تلك القائمة منها، يفرض التنبه إلى إشكالية حصول تعارض وتشابك في الصلاحيات والمسؤوليات الخاصة بكل منها. إلا أن واقع اللامركزية الحالي في لبنان والذي يتمثل حالياً بمستوى واحد ـ وإنما بدرجتين: البلديات واتحاداتها ـ يجعل من تحديد مستويات الوحدات اللامركزية بمستويين فقط أكثر ملاءمة للواقع اللبناني، وذلك عبر الإبقاء على البلديات كمستوى أول، واستحداث مستوى ثان، ركيزته اتحادات البلديات، لافتاً إلى ان تخطي مستويات اللامركزية إلى أكثر من اثنين سيؤدي إلى نتائج عكسية، ومنوهاً بأن العديد من الدول التي تقوم أنظمتها اللامركزية على أكثر من مستويين بدأت تعيد النظر في هذه الأنظمة باتجاه اعتماد المستويين.

    ورغم أهمية إقرار قانون جديد للامركزية في لبنان، إلا ان صعوبات كبرى تعترض طريقه في ظل الأجواء السائدة، الأمر الذي يدفع بقضية اللامركزية في لبنان إلى موقع متدنٍّ في سلم اهتمامات السلطة، يضاف إلى ذلك ممانعة قطاعات واسعة من البنية السياسية اللبنانية لعملية تطوير اللامركزية وتحديثها مترافقاً مع وجود تضارب حاد في الرؤى والمصالح.

    إن صدور قانون جديد للامركزية لن يكون متاحاً في المدى المنظور، الأمر الذي يحدونا إلى التركيز على إمكانية تطوير الشكل القائم حالياً من اللامركزية.

    البلديات واتحاداتها في لبنان

    يقارب عدد البلديات في لبنان ألف بلدية، وهو الأعلى في العالم بالنسبة لعدد السكان، ويتزايد هذا العدد بوتيرة متصاعدة وسريعة انطلاقاً من إمكانية إنشاء بلدية لكل قرية يتجاوز عدد سكانها 4000 نسمة.

    ورغم هذا العدد الهائل من البلديات فإن نطاقها البلدي لا يغطي أكثر من نصف مساحة الوطن، الأمر الذي يترك 50% من مساحة لبنان دون خدمات بلدية.

    والبلديات اللبنانية الصغيرة والتي تشكل قرابة 80% من عدد البلديات في لبنان تعاني من ضعف إمكاناتها ومواردها، الأمر الذي يجعلها غير مؤهلة للقيام بدورها المفترض، وغير فاعلة في محيطها، في ظل هزال موازناتها السنوية، وتدني نسبة جبايتها للرسوم البلديات أو انعدامها، الأمر الذي يضعها في موقع العجز عن تلبية الحد الأدنى من المتطلبات البلدية الأساسية، لافتاً إلى ان موازنات البلديات تعتمد على الرسوم التي تستوفيها البلديات مباشرة من المواطنين، والرسوم التي تستوفيها الدولة والمصالح المستقلة والمؤسسات العامة ويتم توزيعها مباشرة على البلديات، والرسوم التي تستوفيها الدولة لحساب جميع البلديات (الصندوق البلدي المستقل)، بالإضافة إلى الهبات والوصايا.

    وفي جانب آخر: يبلغ عدد اتحادات البلديات في لبنان 42 اتحاداً، تضم قرابة 60% من إجمالي عدد البلديات، وتعتمد موازناتها على اشتراكات البلديات المنضوية في إطارها (10% من الواردات السنوية لكل بلدية) وعلى عائداتها من الصندوق البلدي المستقل.

    وينتخب المجالس البلدية المواطنون المسجلون في لوائح ناخبي أعضاء المجلس النيابي (وليس المواطنون القاطنون في النطاق البلدي) بينما تتكون مجالس الاتحادات من رؤساء البلديات المنضوية في إطار هذه الاتحادات.

    وتخضع قرارات المجالس البلدية واتحاداتها لسلسلة طويلة من أعمال الرقابة الإدارية والمالية المسبقة، وتشكل القرارات الخاضعة للرقابة والموافقة المسبقة أكثر من 70% من القرارات الصادرة عن المجالس البلدية، خاصة بعد ان أخضعت قرارات صادرة عن مجالس الوزراء المتتابعة أو وزراء الداخلية والبلديات الكثير من القرارات البلدية لهذه الرقابة المسبقة في تجاوز فاضح على قانون البلديات.

    وتتمثل أسوأ أشكال الرقابة المالية على العمل البلدي بصلاحيات المراقب العام الفضفاضة، وهو موظف من الفئة الثالثة تابع لوزارة الداخلية، ينبغي ان تعرض جميع معاملات عقد النفقة في البلدية عليه قبل تنفيذها.

    ورغم ان البلديات تتمتع نظرياً باستقلال مالي ضمن نطاق القانون، إلا ان الموارد البلدية تتآكل تباعاً، بسبب قوانين حرمتها من أجزاء هامة من الرسوم التي كانت لها بالإضافة إلى انخفاض قيم الكثير من هذه الرسوم أو نسبها والتي لم تعدل منذ صدور القانون الناظم لها في العام 1960.

    الى أن يتم الشروع في وضع قانون جديد للامركزية في لبنان ـ وهو أمرلا يبدو متاحاً في المدى المنظور ـ يحتاج المستوى الحالي من اللامركزية المتمثل بالبلديات واتحاداتها إلى تطوير عاجل يتيح زيادة فعاليتها ويعزز دورها بما هما حاجة ماسة لتوفير خدمات أفضل لمجتمعاتها وضرورة للحدّ من التفاوت الإنمائي الكبير القائم في لبنان.

    ولما كان قانون اللامركزية المأمول سيعتمد البلديات كمستوى أول، فإن إدخال إصلاحيات جدية على قانون البلديات سيشكل خطوة متقدمة وهامة على درب تطوير اللامركزية في لبنان، وسيضع المداميك الأساسية لقيام لا مركزية لبنانية لا نشك لحظة في أنها ستطلق حيوية بناءة في حياتنا العامة. ومن بين أهم التعديلات:

    – بعض التعديلات التي سبق لوزير الداخلية والبلديات ان اقترحها قبيل الانتخابت البلدية الأخيرة ومنها انتخاب رئيس البلدية مباشرة من المواطنين، والكوتا النسائية في المجالس البلدية وتطوير العملية الانتخابية وغيرها، في حين أن اعتماد النسبية في الانتخابات البلدية يحتاج إلى مزيد من النقاش، بسبب طبيعة العمل البلدي الذي يرتكز إلى الخدمات والتنمية ويفترض ان يكون محايداً وموضوعياً على المستوى السياسي.

    – جعل انتخاب المجالس البلدية حقاً للقاطنين في النطاق البلدي.

    – خفض عدد البلديات اللبنانية ـ تماشياً مع التوجهات العالمية في هذا المجال ـ بحيث تنشأ بلدية لكل 20000 نسمة، وذلك عبر ضمّ القرى المجاورة جغرافياً إلى نطاق بلدي واحد، متلازماً مع توسيع النطاق الجغرافي ليشمل كامل مساحة الوطن.

    – إلزام كل البلديات الانتساب إلى أحد اتحادات البلديات، وتعزيز امكانات الاتحادات البلدية إدارياً وفنياً ومالياً.

    – الحد من اخضاع القرارات البلدية للرقابة المسبقة.

    – زيادة الواردات البلدية عبر تعديل قانون الرسوم البلدية المعمول به منذ العام 1960 واعتماد النسب المئوية للرسوم على الخدمات بديلاً للرسم المقطوع كلما كان ذلك ممكناً، والسماح للمجالس البلدية تعديل بعض الرسوم ضمن ضوابط معينة.

    – إلغاء النصوص التي اقتطعت أجزاء هامة من الرسوم البلدية لمصلحة الخزينة العامة، ومنها على سبيل المثال اقتطاع نسبة 40% من قيمة تسويات مخالفات البناء، بالإضافة إلى ضرورة استعادة الرسم البلدي على استهلاك الكهرباء والمياه والاتصالات، والذي ألغي عند صدور قانون الضريبة على القيمة المضافة.

    رشيد جمالي
    جريدة السفير
    02.12.2010

    Leave a Reply