• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    ما قبل القرار الظني وما بعده

    المكابرة وحدها تمنع “حزب الله” من الاعتراف بأن لديه ارتباكا في الوقت الراهن. فالمعطيات الخارجية ليست في صالحه، حتى عند من يعتبرهم اصدقاءه. صحيح أن لديه شيئا من الاستقلالية، لكنها لا تكفي لتغطية ما يلوح به من مغامرات وتهورات داخلية. هذا لا يعني اطلاقا أن تلك المعطيات هي في صالح خصومه المحليين، لأن الازمة برمتها من الاغتيالات الى الاتهامات ليست في صالح البلد. لكن رهان خصومه على العدالة والاستقرار يبقى أكثر مسؤولية من رهانه على الغاء المحكمة الدولية، فهم يقولون انهم يريدون العدالة لوقف الاغتيالات وهو يهدد بهدم المعبد على رؤوس الجميع اذا كان لتلك العدالة ان تتحرك.

    لا شك ان “حزب الله” قرأ جيدا معالم الموقف الذي هو فيه ووجد أن حملته المتواصلة منذ سبعة شهور، من دون كلل، لم تأته بالنتيجة المتوقعة. ولعله توصل الى أن استراتيجيته كانت خاطئة أصلا. فالاساس بالنسبة الى الحزب، بصفته يخوض مقاومة عظيمة ضد العدو الاسرائيلي، هو استحالة حتى مجرد الاشتباه به، وأن لا يكون متهما بأي اغتيال داخلي على الاطلاق، وأن لا يكون له أثر او ذكر في التحقيقات، وبالتالي أن لا يكون على علاقة من بعيد او قريب بأي جريمة مدبرة ولا بأي قتل خارج ساحة المقاومة… أما وقد أصبح اتهامه محتملا فقد اختار أسوأ الطرق لاثبات براءته.

    لكنه لم يكترث عمليا لاثبات براءته خصوصا في لبنان وأمام اللبنانيين، لأن تداعيات أي اتهام ستكون أساسا هنا، في الداخل. كان من حقه ان يثور وأن يغضب، كما كان ولا يزال من حقه ان يرفض الاتهام وأن يشكك به كونه بلغه قبل ان يصدر. كان من حقه، وهو المستهدف اسرائيلياً وأميركياً، ان يعتبر هذا الاتهام مفبركا للنيل منه بهذه الطريقة الخبيثة طالما ان الاعداء عجزوا عن هزمه في حربه معهم. ولا يمكن، واقعيا، استبعاد فرضية اتهام اسرائيل بالاغتيالات وهي صاحبة السوابق الاجرامية المشهورة.

    لم يكترث الحزب للوضع الداخلي. نسي أنه يعيش في بلد وأن فيه مواطنين، ممن يؤيدونه في المطلق وممن هم على خلاف معه، ولأسباب يعرفها جيدا ويعرف ان لا علاقة لها بمسألة المقاومة. فحتى المختلفين معه لا يمكن ان يباركوا استهدافه والاساءة اليه والى شهدائه بل لا يمكن ان يركنوا الى قرار ظني او اتهامي اذا ظهر لهم جليا أنه سطحي وهزيل وغير مقنع. لكن الحزب اختار أن يستعدي خصومه المحليين رغم أن أحدا لم يسبق أن اتهمه بالاغتيالات، بل وضعهم في خانة التآمر مع اسرائيل، واعتبر ان معركته هي أولا وأخيرا مع قوى خارجية تنصب له فخا، وإذ لم يجد سبيلا الى مقارعة تلك القوى مباشرة راح يضغط على هؤلاء الخصوم باعتبار أنهم يمثلون الولايات المتحدة واسرائيل.

    لم تكن تلك مبالغة يجهلها أذكياء الحزب، وإنما كانت خللا في التقويم والتحليل. ولم تكن ضربا من الغطرسة المعروفة لدى العقل الامني، وإنما كانت مكابرة غير مبررة في التصرف السياسي. إذ غدا الخصوم المحليون ضالعين في المؤامرة، وبالتالي لم يعودوا يستحقون التحاور معهم. بل بدا الامر وكأن فتاوى صدرت باستصغارهم والتقليل من شأنهم وعدم احترامهم والتطاول عليهم، رغم ما في ذلك من مجازفة باشاعة ثقافة تحريضية ضد التعايش والتآخي والوئام. وهذا ما يمكن ان يترجم، بلغة العسكريين، استعدادا للقتل والتصفية تحقيقا لأهداف مثل الالغاء والاخفاء والاقصاء… ولكن، هل بمثل هذا الخطاب المسموم يمكن حل الازمة “قبل” صدور القرار الظني وليس بعده؟

    ينبغي بالتأكيد التوصل الى حل قبل صدور القرار الظني، كما طالب السيد حسن نصرالله، إلا أنه يقصد ألا يكون هناك قرار ظني ولا اتهامات، لأنه يعتبره مسبقا قرارا اسرائيليا، ولأنه لم يتراجع عن خياراته التصعيدية بعد صدور الاتهامات. ففي هذه الحال، كما يقال، ستصعب السيطرة على الوضع وسيفقد زمام المبادرة. لكن الامين العام لـ”حزب الله” بات يعرف أن حتى المساعي السعودية – السورية لن تنجح في منع صدور القرار الظني، وبالتالي فان الحل الـ”ما قبل” الذي يتوقعه منها غير وارد. وهو يبدو واضحا هنا بأن حزبه وحده معني بـ”ما بعد” القرار، وأن تلك المساعي لن تبقى عندئذ ذات معنى. أي أنه لا يرى أحدا في الداخل، لا دولة ولا حكومة ولا جيشا ولا مجتمعا منقسما حول الموقف من المحكمة الدولية ومن اتهاماتها المفترضة.

    واقعيا لن يكون هناك حل قبل صدور القرار الظني، ومن يريد مثل هذا الحل كان عليه ان يدير الازمة بذهنية مختلفة تماما. ويُخشى الآن ان يكون الوقت قد فات لتدارك الاخطاء التي حصلت في فترة “ما قبل” القرار. لكن الفرصة لم تفت بعد لرسم خريطة التعامل مع “ما بعد” ذاك القرار. فالجميع يهجس بـ”التداعيات” الاقليمية والدولية، ولا أحد يجهل ان هذه التداعيات ستشتغل باستغلال ما يمكن ان يحصل في الداخل. رئيس الوزراء التركي كرر أكثر من مرة ان على اللبنانيين التعامل مع خلافاتهم، ومثله قال الآخرون الذين سبقوه الى التعاطي مع الازمة. ولن تستطيع اسرائيل او سواها التدخل او تبرير أي عدوان اذا حافظت التداعيات الداخلية على حد أدنى من العقلانية والحكمة. لكن هذا يتطلب عاجلا إحداث نقلة نوعية في الخطاب السياسي، وانخراطا في الحوار على قاعدة الاحتكام للدولة وعدم اللجوء الى العنف واحترام الكرامات واعتماد موقف حكومي توافقي حق و – الأهم – الاستعداد والتعاون على قلب الصفحة للمضي الى معالجة قضايا الداخل، اصلاحا وتنمية.

    اذا كان التفاهم السعودي – السوري يمثل صمام أمان لعدم انزلاق البلد الى فتنة، واذا كانت ايران مواكبة لهذا التفاهم، فمن أضعف الايمان أن يبادر “حزب الله” للبدء بالنزول من أعلى شجرة التهديد والوعيد وأن يساهم في بلورة بيئة داخلية قادرة على احتواء تداعيات الاتهامات. فهو لن يستطيع المراهنة على حل خارجي من دون ن يكلف نفسه مساعدة هذا الحل داخليا.

    عبد الوهاب بدرخان
    جريدة النهار
    01.12.2010

    Leave a Reply