• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    النفخ على اللبن

    تضخ مرحلة انتظار القرار الظني للمحكمة الخاصة بلبنان، في أسابيعها الاخيرة خصوصا، الكثير من المفاهيم الخاطئة على “العموم”، أي ان النخب السياسية والاعلامية والصحافية بتواطؤ عفوي او مقصود تضلل الناس. وقياسا بواقع هذه المرحلة بات من الضروري معاينة بعض هذه المفاهيم في حقيقتها، وتصويبها أقله على المستوى التعبيري، ولو أن الامر لن يقدّم او يؤخر شيئا في المكتوب والمقدّر للبنانيين.

    لنقل أولا إن الخطأ الشائع الاساسي السائد في هذه المرحلة هو تعبير “ما قبل القرار الظني” و”ما بعده”. واقعيا نحن الآن في تسلل “ما بعد القرار الظني” الى “ما قبله”، بمعنى ان الكثير من المفاعيل المتوقعة والمرتقبة للقرار قد أصاب الواقع السياسي من فوق، تماما كما أصاب البنى الشعبية من تحت. فحين تنقضي ثلاثة أسابيع ويتعذر على الحكومة الانعقاد في مجلس الوزراء، نحن اذاً في عزّ أزمة حكومية أصابها القرار الظني بشلل نصفي مبكر ولم يبق للإجهاز عليها سوى اطلاق رصاصة القرار الظني على رأسها. هي أزمة مختلفة عن سابقاتها بلا شك. هذه المرة الشلل غير معلن بصفة موصوفة، بل انه يتمدد الى المؤسسات كالتخدير، محدثا سابقة مبتكرة تماما. ثمة حكومة تتحلى بذروة نشاطاتها على صعيد “العلاقات العامة” بل تبدو قبلة الخارج بمنتهى الحيوية. موفدون وزوار كبار يأتون ويذهبون ويملأون المشهد والساحات الطوائفية بالتناوب والتعاقب. رئيس الحكومة يصول ويجول في “أعتى” العواصم تورطاً في الازمة، مع طواقم وزارية مكتملة التمثيل، بين 8 و14 آذار. كأن العافية الوطنية والديبلوماسية في ذروة غير مسبوقة. وفي الوقت نفسه يعيش الداخل استحالة انعقاد مجلس الوزراء واستحالة وضع جدول أعماله، بما يعني أن أزمة دستورية وليست سياسية فقط قد تمددت الى النخاع الشوكي للنظام، لا لشيء إلا لأن الشقيقين الاكبرين السعودي والسوري لم يتمكنا، لدوافع وأسباب تفوق طاقتهما ربما، من اضاءة الاشارة الخضراء لفتح مسارب الحوار الداخلي التي ضربها الانسداد الزاحف مع تسريبات القرار الظني.

    ثمة خطأ شائع آخر تصوبه الوقائع، بل تكذبه، وهو ان “ما بعد” القرار الظني أصاب الناس في لحظة الـ “ما قبل” منذ زمن بعيد، وإلا فأي تفسير لهذا “اليتم” الجماعي الذي يشعر به الناس، الى جانب ذعرهم المتصاعد حيال “ساعة الحقيقة” واعلان القرار؟ “يتم” وطني عارم ساحق يجعل الناس في العراء تماما أمام سحق الازمة لقضاياهم وأزماتهم من جهة، وتركهم لقمة سائغة للتلاعب السياسي الداخلي والخارجي بمخاوفهم وتسعيرها يوميا، ولا من يملك صدقية كافية لطمأنتهم بأن الاحتراب والاقتتال غادرا لبنان الى لا رجوع، لا بل أكثر، فان خوف الناس يُضْحي متعاظما حين يتناوب لاعبون سياسيون على ذلك الخبث الموصوف المسمى اصطلاحا “الغموض البنّاء” حيال تداعيات القرار الظني، فيستعمل الغموض كورقة تهويل من هنا او استدراج من هناك، وكل هذا يطير فوق رؤوس الناس، وهم أكثر العارفين بأن هذه الازمة هي أزمة الاستحالات والمستحيلات لأنها تتصل بأمر يفوق قدرة الأمم مجتمعة على وقف الآتي ومنعه من أن يأتي. والأدهى من ذلك ان أحدا لا يملك الجرأة الادبية لمصارحة الناس بهذه الحقيقة.

    أما ثالث هذه الاخطاء الشائعة، فهو الحديث الفارغ عن “تسوية” أضحت كالمطر النادر في وطن الارز. ولعله “غضب” الطبيعة المقترن بتقلبات الاحوال السياسية عندنا، يضعنا أمام غضبين حيال هذا الجفاف القاتل الزاحف علينا في الحالين، فيما يتنكب المنظرون خطاب التخدير الكاذب ويتحدثون عن تسوية صارت حقيقة من زمن آخر انقضى مع الوفاة السريرية لتلك المسماة “حكومة الوحدة الوطنية”.

    ويبقى التنبيه الى خطأ شائع رابع حذارِ السقوط فيه: ان أحدا في لبنان وخارجه لا يملك ان يَسْتَبِقَ حدثا مرتبطا بلحظة اعلان مسببه، كالقرار الظني. وحتى لو جنح المنطق الموضوعي الى استبعاد السيناريو الكوارثي، فان أحدا لا يلوم من اكتوى مرارا بالحليب إن هو نفخ على اللبن.

    نبيل بومنصف
    جريدة النهار
    29.11.2010

    Leave a Reply