• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    عن “استقلال” هذه الرقعة المليئة بالسموم والفخاخ؟

    Image credit: www.plus961.com

    “علّي جبينك وشوف حالك بلبنان” هذا ما تردده الاغنية هذه الايام ولما كان الزمن زمن عيد الاستقلال فأغانٍ كهذه تناسب تماماً المناسبة لكن الاخيرة تستدعي منا جردة حساب. فهل نحتفل بالاستقلال أم نحيي ذكراه؟

    تعالوا نسترجع بعض الوقائع قبل الاجابة عن السؤال. ولا يظنن احد اننا نسعى الى نكء الجراح بل لنبرهن عن الشجاعة الكافية للاقرار بضعفنا وباخطائنا فنفهم اكثر ما هي شروط الاستقلال الحقيقي لوطننا.

    اجتمع اللبنانيون في الاصل فيما كانوا يحملون احلاماً مختلفة وكانت انتظاراتهم كذلك تجاه الدولة الوطنية. ولن نعود إلى ظاهرتي التملك والرفض لأن اللبنانيين تطوروا كثيراً ونحن مقتنعون بأن المحن المتلاحقة صقلت وانضجت ولاءهم وحبهم للبنان. لكن هذا لا يكفي طالما انهم، وعلى اختلاف اتجاهات رأيهم وتنوعهم المذهبي والطائفي، ما زالوا يخافون من بعضهم بعضاً ويتقاذفون تهم الخيانة والتبعية للخارج.

    وللمناسبة هناك مفاهيم ثلاثة غالباً ما نخلط بينها وهي الحرية والاستقلال والديموقراطية وهي تشير إلى معانٍ ثلاثة مختلفة. فنقول ” لبنان بلد الحرية ” ونعرف ان هناك ترجمة حقوقية للحرية هي حماية حقوق الانسان. وحقوق الانسان ليست على ما يرام في لبنان في كل المجالات تقريباً. ونقول “لبنان بلد ديموقراطي” فيما نفاجأ بشعور الناس بعدم قدرتهم على التأثير على القرار السياسي وكذلك على تشكيل واعادة تشكيل النخب الحاكمة.

    ونحتفل بالاستقلال فيما وسائل الاعلام لدينا وعلى اختلافها تردد على مسامعنا “(…)، انتقل فلان من البلد الفلاني إلى البلد الفلاني لاجراء مباحثات مع المسؤولين فيها حول الوضع في لبنان وحول ضرورة ايجاد تسوية تجنب البلد الفتنة (…)” او اكد النائب او الوزير او النائب السابق او الوزير السابق واللاحق فلان (ولا فرق) … “ان مباحثات س.س توصلت إلى وضع اسس تحفظ ماء الوجه للجميع في لبنان (…) او (…) ان الوضع انتقل إلى بدايات مرحلة تهدئة، ان شاء الله، بنتيجة تأليف حكومة في العراق (…) واتخاذ قرار (كذا) للادارة الاميركية في افغانستان (…) او ان رئيس البلد الفلاني طمأن زعماء الجبهة الفلانية بأن لا شيء يمكن ان يوقف المحكمة الدولية (…) في حين يدعو بعض قادة جبهة اخرى إلى وقف عمل المحكمة خوفاً من تداعيات قرارها الظني (…)”.

    ثم نحن في بلد لا تقوم السلطات القضائية فيه بوضع يدها على قضايا القتل والاغتيال والتفجير التي هزت البلد منذ عقود ولا نقبل ان يتدخل القضاء الدولي في الموضوع بل نريد قلب الصفحة والمشالحة والمصافحة وتبويس اللحى ومواصلة التمثيلية.

    لبنان بلد تتشكل فيه حكومات يشارك فيها الجميع وعندما يختلفون يشلّون عمل الحكومة وتستمر الوزارات بادارة شؤون الناس بدون شفافية وبدون قرار سياسي وطني. لبنان بلد يتوقف فيه عمل المجلس النيابي سنوات ويتم تجميد مشاريع القوانين واقتراحات القوانين سنوات.

    لبنان بلد ما زال يتحدث مسؤولوه عن ضرورة الخروج من الحرب وذلك بعد عشرين عاماً من انتهائها. لبنان بلد ما زال المواطنون فيه بدون كهرباء نصف الوقت على الاقل والدولة تدفع عجز شركة الكهرباء من جيوب المكلفين منذ عقدين وبالمليارات من الدولارات.

    لبنان بلد كان يسبح فوق موارد مائية جوفية طائلة واليوم يشتري المواطنون المياه بالليتر ويضعون الفلاتر بسبب تلوثها.

    لبنان بلد لا تظهر فيه القوى الامنية الا في مواكبة القادة والوفود الاجنبية الزائرة.

    لبنان بلد يمنع سياسيوه جيشه من القيام بمهماته الاساسية أي بالدفاع عن حدود الوطن خلال عقود.

    لبنان بلد يخرج من بعض اراضيه عدو محتّل فلا تلتئم حكومته لاتخاذ ولو موقف في هذا الصدد ويتبرع سياسيوه بالتصريحات المحذرة والمهددة.

    لبنان بلد يحلم كل شبابه بالرحيل عنه فاذا به يتغنى بالمهاجرين كمصدر غنى له.

    لبنان هو البلد الوحيد في العالم الذي يتمنى فيه الاهل ان يرحل اولادهم إلى خارجه لأن ذلك يحمل اليهم المزيد من الامن والامان.

    لماذا علينا ان نرفع جبيننا و”نشوف حالنا”؟ بماذا “نشوف حالنا”؟

    ما زالت ماثلة في الاذهان وفقط في الاذهان والمخيلة، تلك الصورة البراقة للبنان سويسرا الشرق – البلد الاخضر – همزة الوصل – موطن الحريات – القدوة في الثقافة الحقوقية في هذا الشرق – الوحيد ذي النظام الديموقراطي – ولو كان توافقياً – لبنان حامل التنوير وباني ثقافة الانفتاح والتنوع الثقافي…

    ولكن اذا كانت هذه الصورة هي اليوم من نتاج الخيال فقط فمردّ ذلك ان اللبنانيين لم يعرفوا كيف يترجمونها فعلياً او انهم لم ينجحوا في الدفاع عنها. لكن اللافت انه بالقدر الذي يتجه فيه اللبنانيون إلى الرحيل عن لبنان، نرى شعوباً اخرى وافراداً وجماعات كثيرة تحلم وتسعى للاستيطان فيه – غريب هذا الامر… لماذا يطفش اللبنانيون ويتوافد سواهم إلى هذه الرقعة الصغيرة، المليئة بالهموم وبالتلوث وبالسموم وبالفخاخ وبالسلاح وبالاحقاد؟

    لأن الصورة التي في مخيلتنا لم تمت بعد وهي التي تجذب إلى لبنان كل هؤلاء الطامعين في الاستقرار فيه وربما الاستيطان.

    وفعلاً هذه الصورة تدعونا إلى رفع الجبين والى “شوفة الحال” بلبنان كما تقول الاغنية لكن العكس ليس صحيحاً أي ان لبنان لا يمكنه ان يرفع رأسه وان “يشوف حاله فينا”.

    ارأيتم كيف نجري وراء التحالفات الخارجية لتعزيز مواقعنا الداخلية؟ ارأيتم كيف نبخ السموم والاحقاد حولنا ونعد بالويل والثبور وعظائم الامور؟ ارأيتم كيف نبحث عن مصالحنا الشخصية والآنية دون الالتفات إلى المصلحة العامة او مصلحتنا الوطنية على المدى البعيد؟ ارأيتم كيف نسعى للتحكم بالموارد العامة وادارتها لمصلحتنا بدون ان يرفّ لنا جفن؟ ارأيتم كيف ننطلق في معاركنا الداخلية كل قطيع وراء زعيم يعتز ويقوى باتساع اتصالاته الخارجية؟

    ان ما ساعد اللبنانيين على عدم الانهيار الى الآن هو انعدام الروح النقدية لديهم وخاصة منها القدرة على النقد الذاتي. لكن هذا الامر سلاح ذو حدّين: فهو يعطينا المناعة للبقاء وفي الوقت نفسه يبقينا كما نحن ويبقي اوضاعنا كما هي وبالتالي لا عجب ان نعيد انتاج الازمات فيما نحن نحتفل ونغني…

    كيف لنا ان نعي حقيقة تقصيرنا مع هذا الوطن الصغير من دون ان نفقد هذه البراءة التي نتحلى بها فتجعلنا نشعر بالفرح وان كنا منزلقين إلى حافة الهاوية؟…

    كيف لنا ان نعترف بأن الوطن لا يمكن ان “يشوف حاله فينا” بعد ما آلت اليه اوضاعه بسبب انانيتنا واهوائنا واحقادنا؟

    كيف نستحق هذا الوطن؟

    بدون تردد، نعود فنستحق لبنان ان نحن عدنا إلى وعينا والى نقدنا الذاتي فسعينا إلى ترجمة الصورة التي ما زالت حية في مخيلتنا إلى واقع ملموس. وهو امر ممكن اذا ما عقدنا العزم على ذلك.

    عندها، وعندها فقط يرفع لبنان جبينه و”يشوف حاله فينا” ونرفع نحن ايضاً جبيننا و”نشوف حالنا به” ونعتز لما تكون قد انجزت ايادينا.

    اما دعوة فخامة رئيس الجمهورية إلى اللبنانيين لمناسبة عيد الاستقلال لكي لا يسمحوا بأن يكون لبنان ساحة لصراع الآخرين فهي تحدٍ كبير لأنها برأينا تتوجه إلى المواطنين وليس إلى الجماعات. فهذه الجماعات قد تتواجه وتختلف ومن ثم تأتلف حول تقاسم المكاسب فيما المواطن يدفع كل الاثمان.

    عسى ان يعود الينا هذا التاريخ في العام المقبل فنحول المناسبة من ذكرى نحييها إلى احتفال حقيقي نكون جديرين به.

    وكل استقلال وانتم بخير.

    فاديا كيوان
    جريدة النهار
    25.11.2010

    Leave a Reply