• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    في دور القائد في اللحظات المصيرية

    DRM Executive Committee member Mona Fayad writes about what leadership really means after this value was distorted by the Lebanese opposition.

    يقف لبنان اليوم عند مفترق طرق مصيري ربما يؤدي الى تحديد مستقبله في الزمن القريب والمتوسط. منذ اغتيال الشهيد الحريري تقريبا يقوم اللبنانيون بمجرد تصريف أمورهم الحياتية كبديل للعيش الفعلي والتخطيط لمستقبلهم وأولادهم، الخوف يطال اللبناني بسبب التفجيرات التي قد تفاجئه عند أي زاوية لشارع، ويكاد مطلب العيش الكريم والعادي البسيط يتحول الى ذنب، إذ إن ذلك قد يعني للبعض الكفّ عن المقاومة، التي يجب ألا تنضب، الأمر الذي يكاد يعادل الخيانة العظمى، ولو على حساب وجود وبقاء الوطن نفسه، في وقت يتحول فيه مجرد التجول الى مهمة شبه مستحيلة بسبب المربعات الأمنية كما يطلق عليها، ما يجعل عيش الحياة الطبيعية يذوي ويتضاءل بسبب الخطوط الحمر التي تمنع الاقتراب من مناطق عدة. لكن أكثرها تضييقا وسط بيروت المغلق في وجه خلق الله منذ عام تقريبا، وتحوله الى قضية شبه مقدسة يعني التراجع عنها إراقة لماء الوجه وهزيمة للقوى التي ابتدعت هذا النوع من “النضال السلمي” الذي أدّى الى احتلال فعلي موصوف للممتلكات الخاصة في معظمها، ذلك كله يؤدي الى الإكراه لأنه يتضمن التدخل المتعمد من قبل عدد من الناس من ضمن المجال الذي يتمتع فيه الفرد بحرية العمل والحركة.

    خطاب المعارضة المهدد

    المشكلة الثانية والتي تشكل مسألة أخلاقية بامتياز تتعلق بنواب الأكثرية المهددين بحياتهم والمقيمين في وضعية تشبه الحصار في وقت يتحرك فيه نواب المعارضة بكل حرية نظرا لشعورهم بالأمان! ناهيك عن مفارقات الخطاب السياسي– خاصة خطاب المعارضة المهدِّد- والذي يعبر عن مأزق عند القيادات السياسية المعنية. هذا ونجد أن الجماهير تتبع قادتها وتتعصب لمواقفها ولو أدّى ذلك الى الخراب المطلق.

    للقائد تاريخيا أهمية كبيرة في تسيير أمور الناس، ويرى بعض المفكرين أن الحضارة شيء ما مفروض على أكثرية تسيرها أقلية أدركت كيف تتملك وسائل القوة والإكراه. ولولا تأثير أشخاص يمكن اعتبارهم مثلا وقدوة، وتعترف بهم الجماهير قادة لها، لما انقادت هذه الجماهير وتقبلت الاشغال الكادحة التي تقوم عليها الحضارة. وهذا الانقسام الطبيعي بين اقلية تكون قائدة واكثرية رعية، هو ما يسمح بوضع المسؤولية في أيدي الرجال الاقوياء.

    وينبغي ألا ننسى أن الجهل هو الذي يؤدي الى التبعية والخضوع، ويجعل الفرد بحاجة الى التوجيه الإجباري، فبعض الناس لا يتمتع بطبيعة تكفي لتخوله إعطاء الأوامر لنفسه أو ليفهم لماذا يرغم على القيام بما يقوم به؛ يؤدي ذلك الى جعل الجماهير غير قادرة على الحرية لأنها قضت مئات السنين تحت نظام قامع تخضع له بالطاعة السلبية للسلطة، ويصبح وضع الجماهير المطمئنة كالتالي: نحن نملك قائدا ومن ثم نملك الأمن والأمان طالما أن لا شيء يهدد وحدتنا.

    أزمة كيانية

    ويصل العيش في النمط التبعي الى درجة يتوقف فيها الكثيرون عن التفكير الفردي الحر ويعيشون على التوجيه والارشاد من قبل الجماعة التي ينتمون اليها وقائدها؛ فلو كانت الحرية هي جواب كل مواطن للتحكم بوجوده الشخصي لكانت الحرية كونية. لكن غالبية البشر يعجزون عن التعبير لأنهم فقدوا استقلاليتهم، وفقدوا الثقة في قدرة عيونهم على الرؤية، وقدرة أذهانهم على تقدير الأمور. والأشد حرمانا منهم يعيشون في انتظار حل سحري يتخذ شكل زعيم باهر يقدم لهم مخرجا. فليس غير موقف العجز الطفلي للإنسان الذي قد يدفع نحو اي ظاهرة او حركة او اعتقاد تعده بالحماية حين تجعله يشارك في القدرة الكلية للآلهة او للقائد.

    إن اتحادهم مع شخص كامل القوة هو تعبير البحث عن الأمان والرد على شعورهم بالعجز وانعدام القدرة على التفكير الفردي؛ فيصابون بالسلبية، ويتطلعون للزعيم الذي يعرف ما لا يعرفون.

    ما يحدو بالبعض إلى الاستنتاج ان نزوات الانسان العدائية ليست هي من كلّف التاريخ الثمن الاغلى، إنما الإخلاص والتفاني والتبعية المفرطة وطاعة الجماهير العمياء لقادتها. يجعلهم ذلك متشابهين ويتم الرجوع عبر هذا التشابه الموجود بين الرجال الذين فقدوا فرديتهم لاستنتاج وتأكيد انها المساواة، ولكنه مجرد تشابه والتشابه لا يعدل المساواة.

    ونحن في لبنان نعاني من أزمة مصيرية وكيانية تتمثل في انقسام الشعب اللبناني انقساما حادا يتبع كل قسم قادته تبعية عمياء، ويمتازون بتعصب متطرف لمعتقداتهم ولو فقدوا القدرة على إثباتها او التأكد من صحتها. فالمتعصب، وهو يمكن أن يكون قائدا أو منقادا لا فرق، يؤمن بأفكاره التي قد تكون غامضة ومن غير الممكن اثباتها أو نفيها. ولقد أدت الأحداث الى معاناة اللبنانيين، وأوجدت نسبة عالية من العدوانية، الأمر الذي يستلزم إسقاطها على عدو خارجي. والتعصب الذي يمنح الأمان المعرفي وتوطيد النرجسية لا نستطيع تفسيره إلا إذا أحطنا باللحظة الثقافية في وضعية معينة التي يزدهر فيها هذا التعصب. فاللبناني المتعصب يفترض في ذات نفسه انه لا يبحث عن الخلاص لذاته، انما هو مكرس لمثال مفروض من الخارج، مقبول ككل وذلك لأن تاريخه ومثله الشخصية تربطه بالمثال بألف خيط، بروابط عاطفية، رمزية اكثر مما هي معرفية وفكرية.

    وللأسف المبدأ الوحيد الذي يتقيد به المتعصب لقدسيته بنظره، أن يكون أمينا مع اهدافه الخاصة فقط حتى اذا أدى الامر الى الدمار. وهذا ما يحصل يوميا في بلاد الأرز…

    الخلاف على تفسير الدستور انتقاص للديموقراطية بذريعة ممارستها وعدم الاعتراف بالانتخابات النيابية مع استخدامها كغطاء شرعي لمن يرفضها في الوقت نفسه؛ احتلال لوسط بيروت من دون أفق وتهديد مستمر ومبطن باللجوء الى العنف “كحق ديمقراطي”.

    لكن إذا عدنا الى دور القيادات والمسؤولية الملقاة على عاتقها، فينبغي لها ان تتحمل مسؤولية هذه القيادة التي انتدبت نفسها لها وأن يكون لديها القدرة على اتخاذ قرارات شجاعة تتراجع فيها عن وضعية معينة تكون قد اوجدتها هي بنفسها. وهذا ما يسمى بعملية النقد والنقد الذاتي والتي يبدو اننا نجهل مجرد وجودهما.

    ولتوضيح معنى الدور القيادي سوف أعود الى ما كتبه توكفيل عن الديمقراطية الاميركية وعن دور القيادات في اللحظات التاريخية.

    تفوق الدستور الأميركي

    يرجع توكفيل تفوق الدستور الفيدرالي الاميركي على سواه الى طبائع المشرّعين الذين اسهموا في وضعه. وفي الفترة التي شهدت وضعه كان الوضع كارثيا والانهيار وشيكا وفي مثل هذه الظروف الاستثنائية لم يختر الشعب من بين الناس من يكن لهم القدر الاكبر من الحب، بل من يكن لهم القدر الاكبر من الاحترام. وتميز واضعو الدستور الجديد بعملهم الراجح ووطنيتهم الصادقة. وهم نشأوا في خضم أزمة اجتماعية كان الولع بالحرية خلالها يخوض صراعا مستمرا ضد سلطة قوية مهيمنة. وهم ألقوا نظرة هادئة متبصرة في احوال مواطنيهم الذين ظلوا على احتدام انفعالاتهم تجاه أخطار تحيطهم.

    وهذا استشهاد لأحد ابرز واضعي الدستور الأميركي الكسندر هاملتون يفسر وجهة نظره والموقف المتوجب اتخاذه من المسؤول تجاه الحشود من أجل قيادتها دون الانقياد إليها:” أعلم انه لا يشفع للسلطة التنفيذية لدى بعض الناس الا انصياعها صاغرة لرغبات الشعب او لمشيئة الهيئة التشريعية. ولكن يبدو لي ان لهؤلاء فهما مبتذلا للهدف التي تصبو اليه كل حكومة، وللوسائل التي تؤدي الى ازدهار عام. فأن توجِّه آراء الشعب، العقلانية الناضجة، عمل من يعهد اليهم بشؤونه، لهو أمر ناجم عن اتباع شرط جمهوري: غير ان المبادئ الجمهورية لا تقضي البتة بأن تنساق الحكومة وراء الأهواء الشعبية كيفما اتفق، ولا ان تسارع الى مجاراة كل اندفاع عاطفي عابر قد تُدفع اليه الحشود دفعا من قبل حاذقين يمتدحون أحكامها المسبقة ويخونون، في الخفاء، مصالحها.

    لا يسعى الشعب عادة الا وراء الصالح العام. هذا صحيح. لكنه في سعيه هذا غالبا ما يخطئ السبيل اليه. لكن لو جاء من يطري عليه قائلا إنه يحسن دائما تقدير الوسائل التي تؤدي الى ازدهار الأمة، لحثته فطرته السليمة على ازدراء مثل هذا الاطراء. فقد علّمته التجربة أنه يخطئ احيانا.

    مخالفة أهواء الجماهير

    عندما تتعارض المصالح الحقيقية للشعب مع رغباته، يتوجب على جميع من انتدبهم لصون مصالحه ان يتصدوا للخطأ الذي وقع فيه آنياً، لكي يتاح له متسع من الوقت لاسترداد وعيه ومجابهة الأمور بهدوء. وقد شهدنا مرارا شعوبا تنجو، على هذا النحو، من تبعات اخطائها المهلكة، وتقيم صروح عرفان لرجال كانت لهم الشجاعة بأن يعرضوا انفسهم لاستياء الناس بغية خدمتهم.

    القائد الحقيقي هو من يخالف أهواء الجماهير اذا اقتضت المصلحة العامة ذلك.

    ان ما يجعل الناس احرارا ليس السلوك بموجب طرق معينة لإصلاح الذات التي تجبر الفرد على مثل هذا السلوك، انما يتم الاصلاح عن طريق ادراك السبب الذي يحتم عليه ان يسلك هذا السبيل، الامر الذي لا يمكن ان يقوم به احد نيابة عنه. لكن ربما أن هناك في لبنان من لم يعد يسعى الى الحرية حقا.

    مع ذلك نحن كبشر قدرنا ان نختار فهنيئا لاولئك الذين يستطيعون العيش في ظل نظام قامع يتقبلونه دون طرح تساؤلات والذين ينصاعون طوعا الى اوامر القادة وعلى عيونهم غشاوة قد تساعد على التوصل الى القناعة، لكن لن تساعد على تحقيق إنسانيتهم ولا على إدراك مغزى ان يكونوا بشرا.

    منى فياض
    صحيفة أوان
    02-04-2008

    Leave a Reply