• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    لا دوام لحب الوطن في أمة مقهورة

    DRM Executive Committee member Mona Fayad writes about the link between people’s attachment to their nation and the nature of the political regime.

    الديموقراطية نظام فريد في الحكم، وهي في شكلها المعاصر نتاج للعصر الصناعي، أو عصر الحداثة المتميز بالعلمانية والتمدين والليبرالية. لكن نشوء وتطور الديموقراطية استغرق قرونا.

    ما يثير الدهشة الآن أنه ما من أحد اليوم إلا ويسلم أنه ديموقراطي. فمختلف أنواع النظم السياسية في العالم تصف نفسها بالديموقراطية. غير أن ممارساتها كثيرا ما تكون متباينة بشكل جوهري بين نظام وآخر.

    وفي منطقتنا العربية كثيرا ما نرفع شعار الديموقراطية ولواءها، كمن يتحدى قانون الجاذبية. مع أن أول ما نلاحظه غياب مفهوم المواطن الفرد، كي تحل محله فكرة الجماعة المتشابهة المطيعة للنظام السائد. ما يعني غياب استقلالية الفرد وقيمته كإنسان، الذي يؤدي بدوره إلى تدني الوعي بالمسؤولية عن الممتلكات العامة مثل الحدائق أو الشوارع أو مناهل المياه، ووسائل النقل الحكومية والغابات؛ باختصار كل ما هو عام هو متاح وقابل لأن يتعرض للنهب والتحطيم عند كل مناسبة. ومن الأمور الملفتة في مجتمعاتنا، شيوع الوسخ في الشوارع، مع أننا نعدّ أنفسنا من أنظف شعوب العالم، ونتباهى أن صلاتنا نفسها تدعونا للنظافة! فالناس هنا لا تحافظ على كل ما هو ملكية عامة، وكأن الفرد ينتقم من السلطة القمعية بتدمير ممتلكات وطنه بالذات. ونحن نعاني من انفصال المواطن عن حكومته والتعامل معها وكأنها عدوة له، وليست ما هو مفترض أن تكونه بحسب قوانين الديموقراطية المرفوعة: أي ممثلة له وناطقة باسمه وحامية لمصالحه.

    فلماذا لا يشعر المواطن العربي بانتماء إلى بلده وإلى حكومته التي من المفترض أنه انتخبها في معظم الحالات؟ أين هي الحلقة المفقودة؟

    حاول توكفيل في كتابه “الديموقراطية في أميركا” محاولة فهم سيرورة الديموقراطية وكيفية العمل على إنجاحها، ووضع يده على أصل المشكلة في دور المواطن وفي الكيفية التي تم فيها ربطه بالدولة أو تمثيله عبر أدواتها.

    السؤال الأساسي الذي يجب أن نوجهه لأنفسنا: لماذا ينصاع المرء للمجتمع؟ ما الذي يلزمه بذلك؟ في الأمم التي تسودها عقيدة سيادة الشعب لا يقوم بذلك لأنه يحتل مرتبة أدنى من مرتبة من يقودونه، أو لأنه أقل قدرة؛ إنه يقوم بذلك لأن كل فرد في مثل هذه الأمة هو فلذة من فعل السيادة ويسهم بالمقدار نفسه في حكم الولاية. إنه ينصاع للمجتمع لأن الاتحاد مع أشباهه ونظرائه يبدو له مفيدا، ولأنه يدرك أن هذا الاتحاد ما كان ليوجد لولا سلطة ناظمة. وهكذا يصبح الفرد واحدا من الرعية في كل ما يتعلق بواجبات المواطنين فيما بينهم. غير أنه يبقى سيد نفسه في كل ما يتصل بذات نفسه. من هنا المثل السائر أن الفرد هو خير من يقضي بمصلحته الخاصة وأن المجتمع لا يمتلك الحق في تسيير أفعاله إلا إذا استشعر ضررا منها أو إذا قضت الضرورة بأن يكون مصدر عون.

    السلطات في أميركا تنبع من البلديات؛ إن أبرز ميزتين مهمتين تجمعهما البلدية هما الاستقلالية والسلطان، فرغم أنها تنعم بحرية الحركة ضمن إطار لا يسعها تجاوزه غير أنها تنعم بحرية حركة ضمن هذا الإطار.

    وبما أن البشر بحسب توكفيل يميلون إلى حيث تكمن القوة، لذا لا دوام لحب الوطن في أمة مقهورة. ولا يتشبث المواطن ببلديته كونها مسقط رأسه بقدر ما يتشبث بها لأنه يرى في هذه البلدية جماعة مستقلة وقوية ينتمي إليها وهي جديرة بما يبذله سعيا وراء تدبير شؤونها… والحق أنك إذ تجرد البلدية من قوتها واستقلاليتها انما تحلّ جمعا من الرعايا محل المواطنين فيه.

    إن جوهر النجاح في نظام الحكم في أميركا يكمن في البراعة التي تقارب الفن والتي اتبعت في بعثرة السلطة بحيث تستقطب اهتمام العدد الأكبر من الناس بالشأن العام. فبمعزل عن الناخبين المدعوين من حين لآخر للاضطلاع بمقاليد الحكم، ثمة أعداد من الوظائف المتنوعة ومن الموظفين المختلفين الذين يمثلون الجماعة القوية التي ينشطون باسمها.

    كما أن النظام الأميركي وفي معرض توزيعه هذا للسلطة يضاعف الواجبات البلدية، ينتج عن ذلك اعتقاد مهم في أن حب الوطن هو عبادة يزداد تشبث الناس بها بمزاولة شعائرها. فالحياة البلدية تتجسد كل يوم في أداء واجب أو مزاولة حق، ما يضفي الحركة والنشاط في المجتمع. والأميركيون يتعلقون ببلدتهم للسبب عينه الذي يجعل سكان الجبال يحبون بلدهم. فالوطن في عيونهم له سمات واضحة ومميزة؛ وله هيئة ومظهر يكادان يكونان ملموسين.

    وما يساهم في ذلك التربية السياسية للشعب وهذا يتعلق أيضا بسيادة الشعب في إطار البلدية. فكل فرد أميركي يبدي تعلقا ببلديته لأنها قوية ومستقلة، ويعنى بشؤونها لأنه يسهم بإدارتها. وهي محط طموحه وقبلة مستقبله، كما يشعر بأنه معني بكل كبيرة وصغيرة في الحياة البلدية.

    هناك من يدافع عن الحكم المركزي، كما هي الحال في بلادنا؛ في أن السلطة الحكومية تدير شؤون الوحدات أفضل مما تستطيع هذه أن تدير شؤونها بنفسها: قد يكون هذا الزعم صحيحا إذا كانت السلطة المركزية مستنيرة والوحدات المحلية جاهلة. وإذا كانت السلطة المركزية ناشطة والوحدات المحلية متقاعسة. واذا كان دأب السلطة المركزية العمل ودأب الوحدات المحلية الانصياع. توكفيل يعتقد أنه إذا كان الشعب مستنيرا، متيقظا مدركا مصالحه ومعتادا على التنبه إليها كما هي حاله في أميركا. يكون أقدر من سلطة الحكومة على توليد الرخاء الاجتماعي. وهو يقر بصعوبة تعيين الوسيلة اليقينية التي من شأنها أن توقظ شعبا غافلا كي تقوم بإقناعه أن واجبه يحتم عليه الاهتمام بشؤونه.

    لكن ذلك لا يمنعه من التأكيد على أنه إذا ما تنطحت الإدارة المركزية للحلول تماما محل إسهام المعنيين المباشرين الطوعي، فانها بذلك تخطئ خطأ كبيراً. إذ لا يسع سلطة مركزية، مهما بلغ شأو استنارتها وعلمها، أن تلمّ وحدها بجميع جوانب الحياة التفصيلية لأمة كبيرة… السلطة المركزية بارعة في المنع وليس في الفعل.

    غالبا ما لا يلحظ مواطننا في شخص الموظف سوى جانب القوة. يقترب منه خائفا متذللاً. أما الاميركي فيلحظ جانب القانون ويعرف أنه هنا لخدمته. لذا يمكن القول إن الانسان في أميركا لا يطيع الإنسان مطلقا بل يطيع العدالة أو القانون. وهو واثق كل الثقة، من قواه الخاصة التي يرى أنها كافية في حد ذاتها للإتيان بأي عمل. فإذا قيّض لأحد الأفراد أن يضع خططا لمشروع ما، لن تراوده يوما فكرة اللجوء إلى السلطات العامة لطلب معونتها، حتى لو كان مشروعه له صلة مباشرة بالصالح العام. بل يعرض خطته ويتطوع لتنفيذها ويدعو قوى فردية أخرى لتقدم يد العون، ويكافح، قلباً وقالباً لتجاوز العقبات.

    مما لا شك فيه أن حصيلة عمله لا تكون، في الأغلب، أفضل مما قد تنجزه السلطة العامة لو تولت هي المشروع. ولكن على المدى البعيد، لابد من أن الحصيلة العامة للمشروعات الفردية كافة ستفوق، بأشواط، ما قد يتاح للحكومة أن تنجزه. والسلطة الإدارية هي على كل حال في المتناول لمن يريدها لذا لا تثير حسدا أو كراهية. وعندما تتدخل لا تترك لشأنها من قبل المواطنين بل على العكس يبادرون فرادى إلى ارشادها حيثما يقتضي، وإلى مساندتها في مسعاها ودعمها.

    إن تضافر عمل القوى الفردية والاجتماعية، معا، غالبا ما يثمر إنجازا قد تعجز عنه أشد الإدارات مركزية ونشاطا. إن حرية الاتحاد أو التجمع وطريقة استخدامها وتعدد التنظيمات الطوعية. يساهمان في الحفاظ على الحرية، مما يقوي شعور الفرد بالولاء للوطن الذي ينتمي إليه.

    في بلادنا يعتبر الفرد نفسه أشبه بمستوطن غير مكترث بمصير المكان الذي يقطنه، وهو قد لا يبالي بمصير بلدته وبأمن شارعه. وقد تطرأ أعظم التغيرات على بلده من دون أن يسهم ، أقل الإسهام بها؛ وقد لا يدرك بوضوح حقيقة ما جرى.. فيحسب أن هذه الأمور لا تعنيه في وجه من الوجوه، وانها لا تعني سوى كيان غريب يسمى الحكومة. فما يعنيه هو أن ينعم بهذه المنافع، شأن المنتفع الفاقد حس الملكية والغافل عن فكرة التحسن والتحسين. وقد يبلغ به عدم الاكتراث بشؤونه الخاصة هذا مبلغ الوقوف مكتوف الأيدي، واذا ما تعرض أمنه أو أمن أولاده لأي تهديد، مترقباً قدوم الأمة بأسرها لنجدته بدل أن يبادر هو إلى اجتناب الخطر.

    ويعتبر توكفيل أن الأمم التي تبلغ هذا الوضع ينبغي أن تجري التعديل على شرائعها وأعرافها وإلا هلكت: إذ يغدو من فيها رعايا لا مواطنين.

    لا يتوقف على القوانين إحياء المعتقدات التي تخبو نارها، ولكن يتوقف على القوانين حثها الناس على الالتفات إلى مصير بلدهم. يتوقف على القوانين أن تنبه وأن ترعى فطرة حب الوطن الغامضة التي لا تفارق أفئدة البشر؛ وأن تحيله، عبر وصله بخواطر وأهواء وعادات، كل يوم إلى شعور عقلاني ودائم.

    أما ما يثير الإعجاب في أميركا فلا يكمن في النتائج الإدارية لنظام اللامركزية الإدارية بل في نتائجه السياسية، فالوطن حاضر في المشاعر والأذهان أينما حللت. إنه موضوع اهتمام الناس بدءا بالبلدة وانتهاء بالاتحاد كله. يتشبث المواطن بمصالح بلده كما يتشبث بمصالحه الخاصة وينهل من مجد أمته مجداً ويفاخر بكل فوز لها لشعوره بان فوزها صنيع يديه فيزداد زهوا. يغتبط للرخاء العميم الذي يحظى منه بنصيب، وشعوره تجاه وطنه مماثل لما يشعره تجاه أسرته، وحتى تطلّعه إلى الذود عن مصالح بلده واندفاعه في هذا السبيل إنما ينطوي على شكل من أشكال الأنانية، إلى شكل من أشكال التورط الشخصي.

    وهكذا نرى أن حب الوطن يحتاج إلى مواطن لديه إمكانية ممارسة سلطة سياسية على مستوى البلديات، وحكومة تعمل على زيادة ربطه بوطنه عبر قوانين تدعم هذا التوجه وتحبذه. فالديموقراطية سيرورة دائمة وبناء مستمر ولن نجدها معلّبة وجاهزة للاستهلاك مثل وجبة سريعة نشتريها.

    منى فياض
    صحيفة أوان
    16-12-2007

    Leave a Reply