• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    الـدولـة فـي ذكـرى الاسـتقلال

    ليست التنمية عيباً. جعلها اللبنانيون كذلك. أصروا منذ الاستقلال على جعل العيش المشترك جوهر فكرة الدولة.

    أجمعوا على ذلك. أهملوا السعي في سبيل الإجماع (أو الإجماعات) على أمور أخرى تجعل العيش المشترك ممكناً.

    وهذا ما يهدد الاستقلال تهديداً دائماً؛ وهذا ما يؤدي بلبنان إلى تبعية دائمة للخارج. جوهر المشكلة: الاكتفاء بفكرة العيش المشترك، وإهمال فكرة التنمية.

    العيش المشترك فكرة سلبية تعني القبول بالأمر الواقع. هي ضرورية من أجل الحفاظ على التعددية والسلم الأهلي. لكنها لا تؤدي إلى التنمية والإرادة وزيادة الإنتاج. هي الفكرة المثلى لدولة التوزيع، توزيع ما توفر من موارد، دون القدرة على أخذ القرار لزيادة ما هو موجود. هي دولة القبول بما هو موجود خوفاً من التغيير وما سيجلبه، وخوفاً من عدم الاستقرار ومصائبه. هي دولة الخوف المتبادل. هي دولة الطوائف التي يكون الاعتماد المتبادل فيها، بما في ذلك الحوار المسيحي الإسلامي، قائماً على الخوف والخوف المتبادل.

    في فيدرالية الطوائف أخذت الطوائف دور الدولة، أو جزءاً كبيراً منه. أخذت دور الدولة في الرعاية الاجتماعية وحلت مكانها في كثير من الأمور السياسية. أعيد إنتاج الطوائف، وهمّش دور الأفراد، حتى أن كل واحد منهم لا خيار له: إما أن ينتمي إلى الطائفة أو يعزل فيخسر ما يمكن أن يكون موقعه. طريق الفرد إلى الدولة هو الطائفة. كل شيء يمر عبر الطائفة. ألغت الدولة نفسها، أو كادت، لمصلحة الطوائف التي أعيد تشكيلها والامعان في فرزها، لتتشكل منها الدولة، التي تصير فيدرالية طوائف تسمي نفسها دولة.

    وإذا كانت سمة الدولة الرأسمالية المعاصرة التي تقوم فلسفتها على تهميش الدولة والحد من دورها ووضع القيود عليها وسلخ ممتلكاتها وقدرتها على الفعل في المجتمع وإلغاء دورها في الرعاية الاجتماعية، فإن اللبنانيين ابتدعوا وأجادوا ممارسة الليبرالية الجديدة قبل عشرات السنين من انتشارها في العالم وتبنيها لدى النخبة الحاكمة عالمياً، والتي تسمى المجموعة الدولية.

    أدت الطائفية إلى اقتصار المجتمع على علاقات أفقية بين الطوائف المتجاورة؛ لم تستطع الدولة اختراق هذه العلاقات ولا تدميرها. بالتالي صارت الدولة إطاراً ناظماً للطوائف لا للأفراد. مُنعت الدولة اللبنانية من بناء علاقات عمودية مع الأفراد، ولم تستطع بناء شبكة أفقية وعمودية من العلاقات التي تجعل المجتمع متماسكاً وقادراً على الفعل في الداخل والمواجهة للخارج. مهما كانت الدولة صغيرة وسكانها قليلين، فإنها تستطيع مواجهة أية قوى خارجية بتماسك مجتمعها، سواء أكان الخارج إسرائيلياً أم أميركياً أم غير ذلك. دون دولة من هذا النوع، يبقى المجتمع هشاً ضعيف التماسك معرضاً وقابلاً لجميع التدخلات الخارجية؛ ويبقى البلد مسرحاً للصراعات الخارجية.

    خضعت الدولة للطوائف فأخضعتها هذه للقوى الخارجية. تتنافس الطوائف فيما بينها، منذ قرون طويلة قبل الاستقلال، من أجل تحالفات تساعد كلاً منها في ترجيح كفة موازين القوى لمصلحتها. تظن الطوائف أنها تكسب بذلك، في حين أنه يخسر الجميع في لبنان: دولة ومجتمعاً وأفراداً، إلا القلة القليلة التي تقبع على رؤوس الطوائف وتستفيد منها، وتشغِّلها لأغراضها السياسية والاقتصادية وفي سبيل مكاسبها المالية.

    يكسب اللبنانيون مجتمعهم ودولتهم عندما ينتقل وعيهم من الاكتفاء بدولة العيش المشترك بين الطوائف إلى الدولة التنموية. الدولة التنموية يمكن أن تكون يمينية أو يسارية، متماشية مع الغرب الإمبريالي أو ضده، رجعية أو تقدمية؛ لكنها في جميع الأحوال دولة القرار السياسي، باتجاه استيعاب المجتمع والحوار بين أطرافه في سبيل بناء المستقبل بالعمل والسعي والإنتاج. هي دولة تعتمد على الداخل، على تماسك المجتمع لمواجهة الضغوط والأخطار الخارجية.

    هي دولة الاعتماد المتبادل بين المواطنين في سبيل البناء الداخلي لمواجهة الخارج، سواء أكان الخارج حليفاً أم عدواً في السياسة الدولية. الدولة التنموية. هي، اختصاراً، خلاصة تجربة دول آسيا الشرقية التي تشهد نهوضاً اقتصادياً واجتماعياً بات يهدد الغرب الإمبراطوري في جميع المجالات. بالتماسك الداخلي يكون المجتمع والدولة معاديين للإمبريالية سواء أعلنا ذلك أم لم يعلناه، وسواء أقرا بذلك أم لا. الاعتماد المتبادل في الداخل هو ضد الإمبراطورية حكماً.

    الدولة التحفيزية هي دولة الفعل الإيجابي لا الاستسلام للواقع، سواء أكان الواقع انقساماً طائفياً أم ما يشبه ذلك. هي دولة الحوار بين أطراف المجتمع الفاعلة. هي الدولة التي تضع الخطط والأهداف وتتابع تنفيذها. هي دولة القرار السياسي. السياسة لديها هي التنمية، والتنمية لديها هي السياسة. تدور السياسة والتنمية حول تحفيز قوى المجتمع على العمل والإنتاج والتصدير في دولة المشاركة التي يشعر أفرادها بالاعتزاز بنتاج عملهم، ليس بالمساعدات الخارجية المالية أو المساعدات السياسية كلما عجــز لبنان عن تشكيل حكومة. هي الدولة التي لا تحتاج إلى مساعدات خارجية كي تغذي الاعتداد بالذات وبهوراتها. الاعتداد الحقيقي بالذات يحصل نتيجة ما تضعه الأيدي العاملة في الداخل. وعلى أصحاب رأس المال أن يساهموا في الإنتاج لا في الاستثمارات التي تهدف إلى اقتطاع ما تبقى من موارد الدولة بعد أن تأخذ الطوائف حصتها.

    الدولة التحفيزية التنموية هي دولة الإطار الناظم للمجتمع وهي ليست عبئاً على المجتمع. لقد أجاد اللبنانيون في جعل الدولة كياناً غريباً عن المجتمع. وقد آن الأوان كي يسيطروا على دولتهم وينتزعوها من أيدي غيرهم.

    يصبح لبنان مستقلاً فعلياً عندما يصير لدولته كيان هو الناظم للمجتمع؛ عندما تخترق الدولة النسيج الاجتماعي لتدمير علاقات الطوائف كي تحل مكانها شبكة علاقات أفقية وعمودية تجعل الاعتماد بين اللبنانيين كأفراد ممكناً مع استحالة الرجوع عنه. هي دولة الاعتماد المتبادل في الداخل بين اللبنانيين بدل اعتماد كل طائفة، على الخارج وبالتبادل.

    الدولة التي تخترق الطوائف وتخرج بنسيج اجتماعي جديد هي الدولة التحفيزية التنموية التي تستوعب المجتمع بما فيه القوى العاملة والقوى الرأسمالية، فتضع لها أهدافاً ورؤية (برنامج عمل) وتسهر بيروقراطيتها على تنفيذه. هي دولة المبادرة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية وليست دولة الدور السلبي المتمثل في مفهوم التعايش السلمي السلبي، بين الطوائف. هي الدولة التي تبادر ولا تقف على جانبي الطريق تتفرج على نظام التوزيع، ومسارات اقتطاع الطبقات العليا للموارد والمدخرات، ونهب الطبقات الفقيرة.

    الدولة التنموية، ولها أمثلة عدة بين دول شرق آسيا، يمكن أن تكون يمينية أو يسارية، متحررة من الوجود الاستعماري أو غير متحررة منه، دولة محافظة أو تقدمية، لكنها في جميع الأحوال دولة تعتني بسكانها ومصالحهم كما يرونها هم لا كما تقررها لهم الجهات الخارجية. هي دولة تعتمد على التخطيط وتعتبر وضع البرامج والأهداف ضرورة لا بد منها من أجل تنفيذها لدى العاملين ولدى الرأسماليين. بيروقراطيتها منعزلة تراقب التنفيذ دون مصالح خاصة، وهي أكثر كفاءة من الوزراء، رغم أن الوزراء هم الذين يقودون. الدولة التنموية تعيد الطوائف أدياناً، لكل الحق في ممارسة أي منها، والانتقال من واحدها إلى آخر، لا تهمل الأديان لكنها لا تعتبرها أساسية في تسيير المجتمع. وجودها ضروري للحفاظ على التنوع وحماية الأقليات، لكن التشكيلات الاجتماعية السياسية هي التي تساهم في تسيير المجتمع وإدارته.

    الدولة التنموية هي دولة التخطيط والبرمجة والتحفيز، لكنها بالدرجة الأولى هي دولة القرار الذي يجعل تنفيذ التخطيط ممكناً، هي الدولة التي تجعل التخطيط ممكناً بالحوار والتنفيذ ضرورياً بالقرار والأمر. هي دولة الاعتماد المتبادل داخلياً لا دولة الاعتماد على الخارج من أجل الحلول.

    الدولة اللبنانية لا تنتقصها الخطط والبرامج. هذه تملأ أدراج الوزارات والمؤسسات العامة. ولا تنقصها وزارة تخطيط أو غيرها. ما ينقصها هو القرار السياسي. القرار السياسي يتولد عن وعي جديد. الوعي الجديد يتكون بإعادة النظر بالمسلمات التي تعتبر أساس وجوهر الكيان اللبناني منذ تأسيسه حتى اليوم.

    نحتاج إلى وعي آخر من أجل إحداث تحول عميق في كيان الدولة وفي دورها وفي علاقاتها بالمجتمع والأفراد. لا ينقصنا التفكير، إنما ينقصنا التشكيك فيما يعتبر بديهياً ومسلماً به.

    الفضل شلق
    جريدة السفير
    19.11.2010

    Leave a Reply