• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    سيكولوجيا القطيع

    DRM Executive Committee member Mona Fayad writes about psychological experiments conducted in the 1960s to understand how and why people fall under the control of violent and oppressive authorities.

    كثيرا ما نتساءل باستغراب : كيف تنجح الأنظمة الاستبدادية او تلك الشمولية في السيطرة على عقول الجماهير وفي تسييرها حسب مشيئتها؟ كيف تنجح في تعذيب آلاف البشر عن طريق اطباء – يخرقون القواعد الاخلاقية والقسَم الذي أقسموا به – يساعدهم ممرضون وموظفون وبشر مثلنا من دون اعتراض؟

    هذا ما طرحه على نفسه ستانلي ميلغرام عندما قام بتجربته الشهيرة في الستينيات من القرن الماضي والتي اراد عبرها دراسة “مدى الانصياع للسلطة” ودراسة سلوك الطاعة.

    وكان الهدف من الدراسة قياس استعداد المشاركين لإطاعة سلطة تأمر بتنفيذ ما يتناقض مع ضمائرهم. وأيضا الاجابة عن السؤال التالي : “هل يُعقل أن دور الجنود الذين نفذوا الهولوكست لم يتعد تنفيذ الأوامر؟ وهل يمكن اعتبارهم شركاء في الجريمة؟”.

    وقد قام بإجراء اختبار بسيط لقياس كمية الألم التي يمكن لشخص عادي أن يسببها لشخص آخر، تنفيذاً لأمر صدر عن عالم يشرف على اختبار سلطة مجردة تتعارض مع مبدأ ( عدم إيذاء الآخرين)، وهو ما يفترض أنه أحد أشد أخلاقياتنا صرامة، فهذا ( المبدأ) و تلك (السلطة) يلتقيان في تحدٍ سافر على صدى صرخات الضحية، وهو في هذه الحال ممثل بالطبع. ويبدو ان السلطة تفوز في هذا التحدي أكثر مما يمكن لنا تصوره.

    تطوع المشاركون عن طريق إعلان في جريدة للمشاركة في تجربة علمية تجريها جامعة يال لقاء ما يعادل 20 دولاراً. تراوحت أعمار من قبلوا بين 20 الى 50 عاما ومن مختلف البيئات الاجتماعية، متعلمين وغير متعلمين… قبل دخول غرفة الاختبار يتقدم المشرف من (المشارك) و (الممثل)، و يخبرهما بأن الاختبار يهدف لقياس أثر العقاب في التعلم. وهو أمر غير صحيح، فالتجربة في واقع الأمر تهدف إلى قياس مدى انصياع المشارك لأوامر المشرف، لكن إخفاء حقيقة الهدف ضروري لنجاح التجربة. لذا على المشارك ان يعطي صعقة كهربائية معينة كلما أخطأ الخاضع للتعلم في الاجابة، والصعقات متدرجة من 30 فولت الى ان تصل الى 450 فولت وهي صعقة مميتة.

    ولقد عبّر مشارك انسحب مبكراً من الاختبار عن شعوره أن التجربة محاولة لاكتشاف ما إذا كان المواطن الأميركي العادي يمكن أن ينفذ أوامر غير أخلاقية، كما فعل الجنود الألمان إبان الحقبة النازية، و هذا حقاً كان أحد أهداف الاختبار التي شرحها ميلغرام بوضوح لاحقا.

    في أولى مجموعة تجارب أجراها ميلغرام بلغت نسبة من وصلوا الى الصعقة القصوى (450 فولت) من المشاركين الى 65 % (27 من أصل 40)، رغم كون كثير منهم لم يكن مرتاحا لهذا الأمر.

    تم إجراء نسخ عديدة من الاختبار في مختلف بقاع العالم و قد أدت إلى نتائج متشابهة ، فتبّين أن عدد المشاركين المستعدين للاستمرار في التجربة حتى بلوغ حد الصعقة القاتلة يتراوح بين 61%-66% بغض النظر عن مكان و زمان الاختبار.

    نُوقشت التجربة أخلاقياً من حيث كمية الضغط النفسي الذي تفرضه على المشاركين. الاختبار في أي حال كشف نواحي شديدة الأهمية عن النفس البشرية.

    وفي معرض الرد على هذه الانتقادات أشار ميلغرام إلى أن 84 % من المشاركين قالوا إنهم سعداء أو سعداء جداً كونهم شاركوا في الاختبار فيما أعلن 15 % أنهم غير مستائين، كثيرون أرسلوا الشكر لميلغرام و آخرون تقدموا بطلبات للمساعدة أو الانضمام إلى فريق عمل ميلغرام.

    لكن أحد من شاركوا، بعد ست سنوات وإبان فورة حرب فيتنام، أرسل رسالة يشرح فيها سبب سعادته كونه شارك في الاختبار رغم الضغوط الواضحة :”أثناء مشاركتي في الاختبار كنت على يقين من أنني أسبب الألم لشخص ما، لكن لم أكن أعرف لماذا أفعل ذلك. قلة من الناس تتاح لهم الفرصة ليدركوا الفرق بين التصرف وفق معتقداتهم والتصرف رضوخاً لسلطة ما. بتُّ أشعر بخوف من نفسي أن أسمح لها بالانجراف في ارتكاب أخطاء فاحشة بحجة تنفيذ أوامر السلطة . إنني على استعداد للذهاب إلى السجن ما لم أحظ بحق الاعتراض على القضايا التي تتعارض مع ما يمليه عليّ ضميري”.

    قبل الاختبار كان قد وجه سؤالاً الى قرابة 40 محللاً نفسيا من بيئات طبية مشهورة وهو : كم تظن عدد الذين قد يتابعون هذا الاختبار حتى النهاية، فيما لو استمر المشرف في حثهم على ذلك؟ لقد توقعوا أن أكثر بقليل من واحد بالألف سيصلون إلى النهاية. لكن الواقع بيّن أن 50 % من المشاركين أطاعوا بشكل كامل أوامر المشرف.

    كثيراً ما ترتبط الطاعة و العصيان بالجماعات، وتبين دراسات عدة أن من الممكن أن يكون للجماعة تأثير واضح على ردود الأفعال تجاه السلطة! و تمّ إجراء سلسلة من الاختبارات لتفحص هذه التأثيرات. ولقد تبين ان أسلوب تقسيم العمل ينجح بشكل كبير في الطاعة لتنفيذ الاوامر في عمليات التعذيب و الإبادة المنظمة. فعند القيام بجزء فقط من العمل يخف الشعور بالمسؤولية عند الأفراد، و يضمن المزيد من التعاون من قبلهم، و يؤدي إلى تنفيذ المهام على أكمل وجه.

    يقول ميلغرام : “النتائج كما تابعتها في المختبر، مقلقة، إنها ترجح أن الطبيعة البشرية غير جديرة بالاعتماد عليها لتبعد الإنسان عن القسوة، والمعاملة اللا إنسانية. ان نسبة كبيرة من الناس على استعداد لتنفيذ ما يؤمرون به عندما يتلقون الأوامر من قبل سلطة فاسدة ، دون أخذ طبيعة الأمر الصادر اليهم بعين الاعتبار، وبدون حدود يفرضها الضمير، ما دامت الأوامر صادرة عن سلطة شرعية”.

    فاذا تمكن في هذا الاختبار مشرف مجهول، من أن يوجه الأوامر لمجموعة من البالغين لقهر رجل في الخمسين من عمره وإخضاعه لصعقات كهربائية مؤلمة رغم احتجاجه و مرضه ، لا يسعنا إلاّ أن نتساءل عما تستطيع الحكومات بما لها من سلطات أوسع بكثير أن تأمر به؟؟ ونفهم عندها لماذا أطاع الالمان! ولماذا خضع العراقيون لحكم صدام؟ ولماذا يطيع الاسرائيليون مدعي الديموقراطية وحقوق الانسان. ذلك ان عدد الاشخاص الذين على استعداد لمقاومة السلطة أقل بكثير ممن هم على استعداد لطاعتها العمياء؟

    لماذا تتم الامور بهذه الطريقة؟ ما الذي يفسر الانصياع الى السلطة الغاشمة؟

    – انها التنشئة الاجتماعية التي تدربنا على طاعة الآخرين.

    – النقص في التعاطف مع الآخرين وعدم القدرة على احلال انفسنا مكانهم.

    – كون مرجعية السلطة شرعية وذات مكانة (جامعة محترمة كـ يال، حكومة او مرجع ديني او ما شابه).

    ربما يكمن فهم هذا السلوك ايضا في القدرة على تحمل المسؤولية الفردية أو عدمها. لقد برهنت هذه التجربة وغيرها ان المسؤولية الفردية تنتفي عندما يكون الشخص منفذاً لأوامر آخر أو آخرين؛ حينها تنتفي مسؤوليته الشخصية ويقل عذاب ضميره، فليس هو من يقرر هذا العمل، بل الآخرون. والدليل الملموس على ذلك الجندي الإسرائيلي في فيلم “اجتياح” ، الجندي قال:” انهم يقولون لي اعمل كذا أو كذا، فالعمليات تدار من مكان آخر، هو لا يفعل شيئاً سوى قيادة آليته الثقيلة التي بقوة 460 حصاناً، من أجل هدم جدار أو مبنى، حتى أنه لا يرى الكثير من داخل مركبته ولا يرى الجثث، ولا يقرر بنفسه ما يعمل ، فضميره مرتاح. يقول: هذا الدمار ، لا أعرف ربما لم أقم به أنا ، لم أقتل أحداً، ربما أحد غيري قام بذلك. وهكذا تتوزع المسؤولية ولا يعود الجندي مسؤولاً عنها. والحجة الأخرى التي تستخدم من أجل تخفيف المسؤولية الفردية، إجابة الجندي عن سؤال المخرج حول الحل الممكن أمامه من أجل عدم المشاركة في هذه الأعمال الوحشية، فماذا قال؟ لا فائدة من ذلك، إذا لم أقم أنا بالعمل فغيري سوف يقوم به”.

    لا تنمو الفاشية الا على شكل تخلٍ عن المسؤولية الفردية في قلب الجماهير. ولا تنمو الديموقراطية إلا عندما نقبض المسؤولية كحقيقة تختلط بالتنظيم الذاتي لوظائف الحب والعمل والمعرفة. عندما نتصرف بحسب ما يمليه ضميرنا وليس بحسب ما تمليه سيكولوجيا القطيع ، ان أتبع ما يريده ويمليه الآخرون دون تساؤل . ان اتخلى عن حريتي.

    ان ما يجعل الناس احرارا ليس السلوك بموجب طرق معينة لاصلاح الذات، طرق يلزم نفسه باتباعها، انما يتم الاصلاح من طريق ادراك السبب الذي يحتم عليه ان يسلك مثل هذا السبيل او غيره، ومعرفته انه لا يمكن لاحد القيام به نيابة عنه. يعني ان عليه ان يختار بوعي وحرية. اذن الفرد هو هنا كينونة فاعلة وله دور ايجابي وهو لا يقبل فكرة انه ولد لينقاد، وانه بمجرد اتباعه الآخر سيصل الى التغيير. على الفرد ان يستخدم عقله وفكره وان لا يسمح لاحد بالسيطرة على اغلى ما يملك الا وهو حرية فكره . النضج الكامل للفرد والجماعة هو الهدف الاسمى ، لان تطوير المجتمع بحاجة الى تطوير الفرد وليس من يحكمه. ومن هنا اهمية ان يكون الفرد حرا والجماعة غير متعصبة لان الافراد العاجزين يولدون الجماهير العاجزة.

    منى فياض
    صحيفة أوان
    22-11-2007

    Leave a Reply