• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    مثالثة الخوف: إخافة السنّة والشيعة والمسيحيين من بعضهم البعض

    يسعى “حزب الله” إلى تمرير التالي بإتجاه الداخل اللبناني: إنّ فكرة المثالثة صارت موضع إجماع دوليّ وإغراء دوليّ ومبادرة دوليّة بإتجاه الحزب، وهو لا يزال متريّثاً أو متعفّفاً أو حتى ممسكاً عن قبولها، كونه لا يريدها وحدها، وإنّما مرفقة بتشريع السلاح وتكريس الإرتباط العضويّ مع نظام غيبيّ شموليّ، وبفضّ المحكمة الدوليّة الخاصّة بلبنان من أساسها.

    هذا ما يمكن إستدلاله من تكرار الحديث عن المفاتحة الفرنسية في موضوع “المثالثة”. ما يبتغي إيصاله الحزب أنّ “الأصيل” الكولونياليّ الفرنسيّ، والغربي إمتداداً، هو المؤيّد لأمر المثالثة، وأنّه على الأطراف الداخلية المخاصِمة أن تستغيث به كـ”مقاومة” كي لا يرضى البحث في هذا الموضوع.
    وبالتالي، وإلى حين تصدر هذه الإستغاثة فإن الحزب لا يتبنّى المثالثة كطرح، لكنه يعلّق المناصفة، ويشكّك بالثنائية الإسلامية المسيحية كأساس للفكرة الكيانية الميثاقية، لصالح إستبدالها بفكرتي الحماية الإسلامية للمسيحيين، وتوليّ “حزب الله” لأمر المسلمين.

    وهنا تبرز المشكلة الكبرى. إذا كانت شرعية وجود الكيان اللبنانيّ مستمدّة من الطابع المركزيّ للثنائية الإسلامية المسيحية في تركيبة مجتمعه وفي شكل نظامه السياسيّ، فإنّ شرعية هذا الوجود تصير مستمدّة من مركزية فكرة “المقاومة” عند “حزب الله”، وبالتالي لا تصير المقاومة متاحة بالشكل المتناغم مع الثنائية الإسلامية المسيحية، إنّما تصير الثنائية الإسلامية المسيحية مشروطة بالمقاومة، وسلاحها، وعملياً، بالفئة الأهلية التي تتولى هذا الباب.

    وهكذا، وبدلاً من المسلمة الكيانية الميثاقية الإستقلالية التي مفادها أن البلد يبنى بسواعد مسلميه ومسيحييه المتآخين، ندخل في طرح آخر يجعل المسيحيين في ذمّة سلاح “حزب الله” في مقابل جعل شرعية هذا السلاح في حمايته لـ”المسيحيين”. وللمراقب أن يسأل حينها ما قيمة التمسّك بالإيمان المسيحيّ، وبالوجدان المسيحيّ، وبالعيش المسيحي، إذا كان الأمر سيجيء على هذا الشكل؟ ان المشروع الفئوي يروّج لهيمنته على المسيحيين بحجّة حمايتهم، لكن واقع الأمر أنّ البيئات الأهلية الأخرى تعبّر كلّها وإن بتفاوت أو بإختلاف عن إشكالية واحدة: كيفية الإحتماء من هذا المشروع الفئوي.

    ويا لها مفارقة أنّه في الوقت نفسه الذي سيطالب فيه المسيحيون بالإستجارة من الرمضاء بالنار، على قاعدة إنّه إمّا سفك دمائكم على يد تنظيم “القاعدة” وإمّا تولية “حزب الله” عليكم، فإنّ المسلمين السنّة يطالبون بموجب المنطق نفسه، بأن ينسحبوا من الميثاق الإسلامي المسيحيّ، وبأن يعاد توحيد المسلمين على حساب الوحدة الإسلامية المسيحية من ناحية، ثم على حساب مصلحتهم كطائفة سنية من ناحية أخرى، نظراً للضرورات الميدانية لعمل المقاومة، المصادف توقفها ميدانياً بشكل مطبق منذ آب 2006 وإلى اليوم، إلا إذا اعتبرنا أحداث 7 أيّار وذعريّات “النائب الشجاع” استئنافاً لها.

    والمنطق نفسه يُعادُ فيوجّه إلى المسلمين الشيعة لإخافتهم من المسيحيين ومن السنّة سواء بسواء، وللإيحاء بأنّ هناك مؤامرة دولية يتواطؤ معها كل الآخرين عليهم، وبأنّ تسليم الأمر لـ”حزب الله” هو الشرط اللازم لإحباط هذه المؤامرة. ثمّة من يقول لبيئته الأهلية أنّ مصيرها معلّق به سلباً أو إيجاباً.

    نحن إذاً أمام مشروع يثلّث الخوف نفسه. والسؤال هنا هل أنّ المشروع الفئوي الهيمنيّ الذي يستثمر في الخوف ويشجع عليه في ما بين الملل والنحل، هو نفسه مشروع خائف؟ خائف ممّن بالتحديد؟ وخائف ممّن على الصعيد الداخليّ: من أي طائفة، ومن أي مشروع؟
    بالدرجة الأولى، هو مشروع يخاف المناصفة، والثنائية الإسلامية المسيحية. يعلم أنّ تلك الثنائية هي التي لا تزال تقف حجر عثرة دون تمدّده اللامتناهي في المساحة وفي القرار.

    وبالدرجة الثانية، هو يخاف من الشرطين اللازمين لقيام الثنائية والمناصفة، وهي تأمين الحدّ الأدنى من الوحدة الإسلامية الإسلامية ومن الوحدة الإسلامية المسيحية تأميناً لضرورات الإتحاد الميثاقي الإسلامي المسيحيّ.

    لكن هذا المشروع هو أيضاً مشروع يخاف من نفسه. هو إنتصاريّ حتماً في خطابيته. لكنّه شكّاك حتى النخاع بهذا الأمر في سرّه وخلسته. يدرك هذا المشروع جيّداً أنّه في اللحظة التي لا يعود فيها قادراً على أي تمدّد نوعيّ في المساحة والقرار فإنّ ذلك سيأكل من وزنه وحجمه. هذا النوع بالذات من الخوف هو الذي ينبغي الإلتفات إليه الآن، فالمعادلة هي أنّ من يخاف من نفسه يحتاج إلى نوع مختلف من التواصل مع الغير للخروج من هذه المحنة، وهذا النوع يكون طبعاً بالتفكير في ما يتجاوز “نظرية المؤامرة” غير الأخلاقية (كونها تلغي ضرورة التفتيش عن علّة لكل معلوم، وعن مجرم وراء كل جريمة، ما دام المتآمر معروفاً ومفضوحاً منذ البداية) وبالإقلاع عن التخوين، وإحالة مرتزقة التخوين على المعاش، أو إعادتهم إلى المهام التي كانت موكلة إليهم في الأحزاب الأيديولوجية العلمانية التي بدأوا حياتهم فيها: تقبيل أيادي أعضاء اللجان المركزية!

    وسام سعادة
    جريدة المستقبل
    15.11.2010

    Leave a Reply