• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    التوافق الصعب

    زياد ماجد يقيّم التجربة التوافقية في لبنان والعراق

    إنخرط العراق منذ سقوط نظام صدام حسين في مسار سياسي مرتكز الى فلسفة الديمقراطية التوافقية المعتمدة أيضاً في لبنان، وهذا بمعزل عن العنف الأهلي والمقاومة والإرهاب والاحتلال وسائر الديناميات المتداخلة والمتآلفة فيه.

    والتوافقية، بحسب تعريف أبرز منظّريها أرنت ليبهارت، تقوم في مجتمعات تعدّدية، تمثّل القوى السياسية الكبرى فيها المجموعات الدينية أو القومية أو اللغوية، وفقاً لقواعد أربع:
    ائتلافات موسعة، وسلطات مجزّأة، وتمثيل نسبي للجماعات المختلفة، وحق النقض للأقليات.

    وأضاف منظّرون آخرون شروطاً لنجاح التوافقية، منها أن تكون النخب السياسية قابلة لمنطق التكيّف والتسويات، وأن تكون الانقسامات العامودية محدودة التسيّس والتعبئة، وأن تكون الكتل الكبرى في حال اختلاف مواقفها تجاه السياسات الخارجية قادرة على اعتماد الحياد مخرجاً لتمايزاتها. كما زاد بعض من درس أوضاع نظامي لبنان وإيرلندا الشمالية خلال السبعينات مشروطية ألا يكون المحيط الجيو-سياسي عبئاً على الدولة المعنية أو دافعاً لأطرافها نحو خيارات متنابذة.

    إن نظرنا الى القواعد الأربع المذكورة (وقبل البحث في شروط النجاح اللاحقة)، لوجدنا أن العراق اليوم، ولبنان من قبله، يستوفيانها. فالبلدان محكومان من تحالفات واسعة، وكلاهما يعتمد النسبية الطائفية في التمثيل السياسي (ولو أن العراق يوسّع مفهوم النسبية ويعتمده مبدأً انتخابياً نيابياً وليس تعيينياً حكومياً فقط). والسلطة مجزّأة وموزّعة في البلدين وتملك الأقليات فيهما حق النقض أو الفيتو من خلال قدرتها على عرقلة قيام الحكم إن هو استثناها، وتُعطى الأولوية في بغداد كما في بيروت للتوافق داخل المؤسسات لتمرير مشاريع القوانين وإقرارها، عوض اللجوء الى التصويت…

    في المقابل، يشير التوقّف عند شروط نجاح التجربتين التوافقيّتين الى شبه غيابها في العراق، والى دخولها طور التلاشي في لبنان.

    فالنخب السياسية العراقية لا تبدو متمرّسة في إدارة التسويات والقبول الدائم بالتوافق. كما أن الإنقسامات الاجتماعية العامودية تظهر شديدة التسيّس والقدرة التعبوية. أما في لبنان، فقد بدأت ثقافة التكيّف والتوافق التي أدارت البلاد بعد الاستقلال بالانحسار مع انطلاق الحرب الأهلية، ثم راحت تتلاشى منذ بضعة أعوام مع ازدياد الاستقطابات الطائفية وصعود قوى شديدة الاستئثار والحدّة في تمثيلها للانقسامات العامودية المتحوّلة أكثر فأكثر الى منطلق للتعبوية السياسية.

    يضاف الى ذلك، أن العراقيين واللبنانيين يتلاقون على الانقسام الداخلي تجاه قضايا التموضع في محيطهم دون قدرة على اعتماد الحياد مخرجاً، ودول هذا المحيط تتدخّل في شؤونهم فتدعم جماعات ضد جماعات أخرى، أو تحوّل ساحاتهم الى ساحات مواجهات بالواسطة توظّفها في سياق حسابات وتوازنات وتحالفات خارجة عن إراداتهم.

    بهذا، يجوز القول إن العراق ولبنان صارا مختبرين متوازيين لنظريات حكم (أو بالأحرى لمحدودية نجاح هذه النظريات). وهما رغم اختلاف بناهما المجتمعية ومساريهما السياسيَّين والاقتصاديّين، وغير ذلك مما لا يسع هذه العجالة التطرّق إليه، يتشابهان في العديد من الأمور ويقدّمان اليوم نموذجين عن صعوبة التوافق والوصول الى تسويات للمشاكل كل ما بنت الانقسامات العامودية فيهما مشروعيات سياسية متصادمة، وكل ما صارت القوى السياسية-الأهلية قابلة بالارتباط بمشاريع خارجية تتغذّى بها وتغذّيها على حساب الاستقرار الوطني والقدرات التسووية والتوافقية…

    زياد ماجد
    NOW Lebanon
    09.11.2010

    Leave a Reply