• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    العار أم الذنب؟

    الطريقة التي وُصفت بها “حادثة العيادة الطبّيّة” في الضاحية الجنوبيّة من بيروت، والتركيز على مسائل الشرف والعار والنساء، تعيد إلى الأذهان مناسبات وعبارات ليست قليلة في تاريخنا الحديث.

    ففي 2004، حين انفجرت أحداث الفلّوجة في العراق، وكانت من التعابير المبكرة عن نشاط “القاعدة” هناك، شاع أنّ الجنود الأميركيّين يحملون مناظير يستطيعون عبرها رؤية النساء عاريات من كلّ ما يلبسنه. فكيف إذاً يسكت أهل الفلّوجة عن هذين الاستباحة والانتهاك؟.

    وفي 1997 حين أطلق الجنديّ الأردنيّ أحمد الدقامسة النار على سبع فتيات إسرائيليّات جئن للسياحة في الأردن، ردّد بعض المدافعين عنه أنّ الدقامسة فعل ما فعله بعد أن “قامت الفتيات بالتعرّي أمامه أثناء تأديته الصلاة”.

    أمّا وصف فلسطين بـ”المغتصَبة” فبات جزءاً راسخاً وعضويّاً من الأدبيّات السياسيّة الراديكاليّة في العالم العربيّ. وهذا بعدما كان “العِرض” موضوعاً للمناشدة والتعبئة في حرب 1948، لا يقلّ تأثيراً عن “الأرض” التي تستولي عليها المنظّمات الصهيونيّة.

    والعجالة هذه ليست المناسبة الصالحة لتفسير الخلفيّة النفسيّة والفكريّة لهذا السحر الذي تمارسه علينا موضوعة “الشرف والعار”، أكان الأمر اقتناعاً بها أم توظيفاً لها بسبب فعاليّتها التعبويّة. كذلك ليست هي المناسبة الملائمة لربط ذاك السحر بنظرة مجتمعاتنا إلى المرأة ودورها وموقعها منّا، نحن الذكور العرب، وموقعنا منها، حيث التحريم شكل راسخ في التبادل، المعلن مرّة والخفيّ مرّات.

    نقطة واحدة تستحقّ الإشارة، في هذا المعرض، سبق أن تناولها ديباك لال، الباحث البريطانيّ الهندي الأصل في شؤون التنمية الاقتصاديّة، حين رأى فارقاً نوعيّاً بين “ثقافة العار” و”ثقافة الذنب”: ففي حضارات الشرق التقليديّة، يشكّل “العار” أساس السلوك وركيزته، ما يعني أنّ الأساليب والعادات تستمدّ قوّتها من ضغط اجتماعيّ يقف خارجها (ماذا يقول الناس؟). على العكس من ذلك، نبعت الأخلاق في الثقافة الغربيّة من الشعور بالذنب، لا بالعار، أي من حالة تقصٍّ باطنيّ وجدت سندها في الإيمان الفرديّ بالله. فعند المؤمن الغربيّ، أنّ الله وحده، وليس “الناس” وأقوالهم، هو من يستطيع أن يعرف وأن يحكم على ما في الباطن.

    وأغلب الظنّ أنّ ثقافتنا السائدة في حاجة إلى استدخال قدر من الشعور بـ”الذنب” فيها. فهذا ما قد يقيها عيوباً وارتكابات كثيرة نقدم عليها غير هيّابين، كما يخفّف من شعورنا العارم بامتلاك الحقّ المطلق والضحويّة المطلقة أو بتعرّضنا الثابت للمؤامرات. أمّا “العار”، في المقابل، فيدفعنا، ليس فقط في الوجهة التي نسلكها، بل أيضاً في المزايدة فيها قولاً وفعلاً. فكلّ منّا يريد البرهنة على أنّه “الأكثر شرفاً والأقلّ تقبّلاً للعار”، وأنّه الأكثر استعداداً للقيام بأيّ عمل، مهما كان مهولاً، تستدعيه حيازة الصفة هذه.

    وغنيّ عن القول إنّنا بـ”الذنب” نؤسّس مجتمعات متصالحة تتبادل الاعتذار عمّا يفعله الواحد منها بالآخر. لكنّنا بـ”العار” لا نؤسّس إلاّ الإنكار ومراكمة الأحقاد وهندسة الحروب الأهليّة وأنظمة الاستبداد. أليست هذه العبارة الأثيرة “ماذا يقول الناس؟” دليلاً بذاته على اهتراء العلاقات الداخليّة داخل جماعة دفعت تحايلها على بعضها بعضاً إلى مستوى التماثل الظاهريّ؟

    حازم صاغية
    NOW Lebanon
    08.11.2010

    Leave a Reply