• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    أخطر العبَر في التاريخ أن هناك من لا يعتبر

    الانقلابات عملة نادرة في عالم اليوم ومن يسعى وراءها يريد الانفصال عن الكيان… مع التوسّع في مناطق الغير

    ما لا يفهمه أصحاب الشهوة الإنقلابيّة عندنا أنّ الإنقلابات العسكريّة والأمنيّة تراجعت إلى حد كبير في فترة ما بعد الحرب الباردة، وهي تكاد أن تنحصر في أفريقيا التي عرفت في السنوات الأخيرة خمسة انقلابات بعضها جزئيّ (توغو، موريتانيا، غينيا، مدغشقر، نيجير)، علماً أن وتيرة الإنقلابات انحسرت كثيراً حتى في القارة السوداء، وليس واحد منها بإنقلاب على الشرعية الدستورية، بل أنّ ما يتيحها في الأصل هو غياب الشرعية الدستوريّة، يكادُ يكون منذ رحيل المستعمر، أو “المعمّر” كما يقولون في اللهجات المغاربية.

    أما في أميركا اللاتينية، قارة الخصوبة الإنقلابيّة في العقود الماضية، فقد تراجعت الظاهرة إلى حد كبير، لولا انقلاب 28 حزيران 2009 على الرئيس مانويل زيلايا، والذي لم يكن متاحاً لولا غض الطرف من واشنطن، ناهيك عن الإنقسام الحاصل يومها على خلفية إصرار زيلايا على تعديل الدستور للتجديد لنفسه، ومع ذلك فإنّ أحداً لا يعترف إلى اليوم، لا في واشنطن ولا في غيرها من العواصم، بنتيجة الإنقلاب الهندوراسيّ الذي قام به العسكر مدعومين من البرلمان والقوى اليمينية في هذا البلد الخلاسيّ الصغير.

    وفي ما يلي العالم العربيّ، فقد تراجعت الديناميّة الإنقلابيّة إلى حدّ كبير، ليس طبعاً لصالح تنامي الديناميّة الديموقراطيّة، وإنّما لصالح التمديد المستمرّ لـ”الشرعيّات الإنقلابيّة” (بكل ما في هذا التعبير من تناقض) القائمة منذ زمن بعيد، مع ملاحظة تخفّف هذه الأخيرة قدر الإمكان من الشعارات والطقوس الأيديولوجيّة، والإبتعاد أكثر فأكثر من “السطوة الكاريزميّة” للفرد إلى “السطوة الرتيبة” للجهاز، ومع التجاوز العمليّ لنظام “الحزب الواحد” لا بإتجاه التعدّدية الحزبية، وإنّما بإتجاه اللاحزبية.

    فحتى بداية السبعينيات كانت الإنقلابات هي الشكل الديناميّ العنيف لـ”التداول على السلطة” في العالم العربيّ، وهي لم تعد كذلك، ولم يعد هناك من “تداول” اليوم، لا بالشكل الإنقلابيّ ولا بالشكل الديموقراطيّ.

    إذّاك لا يبقى أمام أصحاب الشهوّة الإنقلابيّة في لبنان غير نموذج إنقلاب “حماس” الإنفصاليّ في غزّة. تسلّح هذا الإنقلاب بنظريّة “الحسم الإضراريّ لا الإختياريّ” لكنّه عمليّاً لم يقم إلا بتكريس الوضع القائم منذ النكبة، أي الإنفصال الجغرافيّ للقطعتين المتبقيتين من فلسطين، الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة، وهناك من ينسى أنّه منذ 1948 حتى 5 حزيران 1967 بقيت الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة تحت السيادة العربيّة، أردنيّة كانت أم مصريّة، إلا أنّ ذلك لم يتح قيام دولة فلسطينيّة غير متّصلة جغرافيّاً.

    وما حدث أنّ الإنسحاب الأحاديّ الإسرائيليّ من قطاع غزّة، في مقابل إستمرار الإستيطان الإسرائيليّ في مناطق الضفّة الغربيّة، عاد وحرّك هذا “الكمون الإنفصاليّ” وهذا التاريخ الإنفصاليّ المزمن بين القطعتين المتبقيتين من فلسطين وغير المتجاورتين جغرافياً، وقد ساهم في تصعيد حدّة الشقاق الفلسطينيّ ذاك التأويل الأيديولوجيّ للإنجاز اللبنانيّ المتمثّل بإجبار إسرائيل على الإنسحاب من طرف واحد من الجنوب اللبنانيّ في أيّار 2000. فهذا التأويل ألغى كل التمييز المعمول به من قبل العدوّ الإسرائيليّ بين الأراضي التي احتلّها، ما بين تلك التي تدخل في صلب عقيدته الأيديولوجيّة الإستيطانيّة، وبين تلك التي تدخل في الأحرى في إطار مصالحه المتحرّكة.

    فبدل أن يتمكّن الشعبان اللبنانيّ والفلسطينيّ من الإستفادة المتبادلة من التجارب الكفاحيّة لكلّ منهما حدث العكس، وبالذات لأنّ أيديولوجيا الممانعة التي تقودها إيران، أسقطت كل تاريخ الحركة التحرّرية الفلسطينيّة قبل الثنائيّ “حماس الجهاد”، وأسقطت بالدرجة الأولى ذلك الوعي الكيانيّ الأكثر من ضروريّ بالنسبة إلى القضيّة الفلسطينيّة.

    لقد ساهمت أيديولوجيا الممانعة في أن يأتي “التأثير اللبنانيّ” سلبياً بالمحصلة على الوحدة الكيانيّة الفلسطينيّة، وهي تساهم اليوم في أن يأتي “التأثير الفلسطينيّ” إنقلابيّاً، يستوحي من تجربة إنقلاب حماس في غزّة، وسلبياً للغاية على الوحدة الكيانيّة اللبنانيّة. وهذا غيض من فيض من معنى الممانعة خصوصاً تلك التي تقودها إيران: هي أيديولوجيا نصف قوميّة نصف إمبراطوريّة في ما خصّ إيران، وهي أيديولوجيّة لا كيانيّة ولا قوميّة، أي تفتيتية وفتنوية للغاية، في ما خصّ البلدان العربيّة المشرقيّة.

    لكن ماذا عن إيران نفسها؟ هنا وجه المفارقة. ثورتها الإسلاميّة كانت كل شيء إلا إنقلاب قصر. كانت جماهير هادرة. كانت بهذا المعنى ثورة خالصة، فالثورة الروسيّة كانت في محطّتها الحاسمة (إنتفاضة أكتوبر) إنقلاب قصر. وحتى الثورة الفرنسيّة الكبرى كانت تحتمل مثل هذا البعد. وبهذا المعنى، لم يخطىء ميشال فوكو كثيراً عندما أدرك أنّ الثورة الإيرانيّة تحمّل معنى جديداً للثورة، بريء تماماً من الشبهة الإنقلابيّة، ومتماثل بهذا المعنى مع حركات 1968 الطالبية الراديكالية في أوروبا. لكن ما أخطىء فيه الجميع يومها، أنّ الثورة الإسلاميّة الإيرانيّة وبالقدر نفسه التي جاءت فيه ثورة خالصة خالية من الشبهة الإنقلابيّة، فإنّها كانت أيضاً ثورة مضادة خالصة، بكل ما للثورة المضادة من معنى، إذ كانت ثورة على التغريب والتنوير، وثورة على المرأة وعلى الشبيبة. كل الثورات الكبرى في التاريخ الحديث، من فرنسية وروسية وصينية، بقيت مرتبطة بشكل أو بآخر بمرجعيات عصر الأنوار، إلا الثورة الإيرانيّة، التي بقيت في هذا المعنى مرتبطة بالخط الضدّ للأنوار، والذي يصلها بشكل رئيسيّ بـ”الثورة القوميّة الإشتراكيّة” في ألمانيا 1933.

    و”حزب الله” في هذا المجال هو إبن لهذه الثورة، وبالذات من حيث هي “ثورة مضادة”، لكنّه من هذه الناحية تجربة ناجحة في تصدير “حراسة الثورة” وليس أبداً في تصدير الثورة نفسها، ولبنان هو قابلة ممتازة لإستيراد “حراسة الثورة الإيرانية” لكنه غير مناسب أبداً لإستيرادها كثورة. وهذا هو التناقض الرئيسيّ الذي لا يمكن تجاوزه بأيّ من السيناريوهات الإنقلابية التي تتحدّث عن إنقلاب سريع هادىء ميسّر ينجز في ساعتين ولا يكلّف دماً كثيراً، هذا مع ملاحظة أن أحداث 7 أيّار نفسها احتاجت لأكثر من ساعتين، رغم محدودية رقعتها، ومحدودية وعي 14 آذار لخطورة “حزب الله” يومها، والتباس قضية قرارات الحكومة على الكثيرين، وهو ما لا يقارن بقضية المحكمة الدوليّة، التي تتكثّف فيها كل الفكرة الوطنيّة الإستقلاليّة الكيانيّة الميثاقيّة اللبنانيّة، من حيث هي فكرة إسلاميّة مسيحيّة في أساس وجودها.

    ولبنان الذي لم يكن يوماً تربة خصبة للمشاريع الإنقلابيّة لن يكون قابلاً لنجاح أي مغامرة من هذا النوع في عالم ندرت فيه الإنقلابات كما أسلفنا، إنّما المنطق لم يردع يوماً أيّ المغامرين، والتاريخ مليء بالعبر، وأكبر عبرة فيه أنّ هناك من لا يعتبر.

    ومن يريد محاكاة ثورة إيران في لبنان فعليه أن يتذكّر أنّ هذه الثورة رغم طابعها المضاد للثورة، بالمعنى المضاد للتنوير، لم تكن أبداً إنقلاب قصر. أما من يريد محاكاة إنقلاب غزّة فعليه أن يتذكّر بأنّه كان إنقلاباً إنفصاليّاً، فهل ثمّة من يقنع نفسه حاليّاً بإعلان الإنفصال.. ممزوجاً بنوايا غزو بعض مناطق الغير المتاخمة له والربط بين الجيوب على هدي من نظرية “المجال الحيويّ”؟

    وسام سعادة
    جريدة المستقبل
    08.11.2010

    Leave a Reply