• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    ترويكا لسيادة معلّقة

    ترويكا ادارة الشأن العام في لبنان؟

    تمتلك الطبقة السياسية في لبنان قدرة فائقة من الازدواجية التي تسمى في المصطلح الديبلوماسي المهذب “مرونة”، حين تتقاطع مصالحها على تبرير امر يتناقض مع المبادئ الصارمة المتصلة بمسائل السيادة والاستقلال والتدخلات الخارجية في الشؤون الوطنية. ومن هذا الباب لا يغدو غريبا ان تحاط الحركة الناشئة التصاعدية لـ”ترويكا” السفراء السوري والسعودي والايراني بشبه تهليل جماعي، سواء كان مضمرا او علنيا، من جانب قوى 14 آذار و8 آذار سواء بسواء، مع ان الازمة الزاحفة لا تبقي بين الفريقين “حائط عمار” واحدا وتكاد تقطع آخر شعرة بينهما.

    واقع الحال يفصح بأن هذه القوى، بتسليمها لهذه “الترويكا” وما تمثله في حركتها من صعود هائل للنفوذ الثلاثي ولو على تفاوت المستويات واختلاف طبيعة كل نفوذ من اضلاعها المثلثة، ترسل اقوى اشارات التناقض الصارخ بين الخطاب المبدئي الصارم والتعامل السياسي الاكثر من مرن، لا لشيء الا لكون لبنان يشارف السقوط تكرارا تحت استرهان القوى الاقليمية، بما يعني فجيعة سقوط احدث تجاربه السيادية والاستقلالية. غير ان المفارقة الساخرة في هذا التسليم الطوعي للترويكا الاقليمية، إنْ عبر ما يسمى معادلة “س. س.” او عبر ظاهرة الود المفاجئ للسفراء الثلاثة واحتلالهم واجهة التحركات الداخلية، هي ان يذهب الوهم بالقوى اللبنانية الى توقع وصفة عجائبية من الدول الثلاث، فيما الواقع يشير الى ان “حسن النيات” وحده لا يمكن ان يحجب الحرب الباردة التي تخوضها كل من هذه الدول في مواجهة الاخرى او مع سواها في طول المنطقة وعرضها وصولا الى لبنان.

    اذاً، وبكل تبسيط، تنتظر القوى اللبنانية المأزومة حلا او تسوية او ردعا لصدام او اشتباك كبير، من قوى اقليمية هي بدورها مأزومة بمقدار اكبر واخطر. وهو تسويغ كاف للقوى الداخلية المتصارعة منذ اخذت كل منها عنوانا آذاريا رمزيا في مسألة السيادة، للتسامح مع ظاهرة استثنائية، بحجة ان السفراء وما يمثلون يحظون بغطاء سياسي اجماعي على مسعاهم في منع الصدام اللبناني.

    لعل هناك من يرضيه وهْم ان لبنان استطاع بأزمته الصاعدة ان يجمع الجبابرة الاقليميين، ولكن فات اصحاب هذا الوهم ان لبنان عانى طويلا ولا يزال يعاني من عجزه عن وضع حد قاطع للحروب الباطنية على ارضه وليس فقط للحروب العسكرية والامنية والاستخباراتية المكشوفة والمباشرة. ثم ان المعيار السيادي في المطلق لا يعرف تمييزا او استثناء او استنسابا.

    وفي حالة التهليل للترويكا الثلاثية، يجوز للبنانيين ان هم استفاقوا على المقارنات، ان يسألوا اين هي الاصوات السيادية المرتفعة والصاخبة حيال اي حركة لسفراء الغرب في لبنان ولاسيما منهم سفراء اميركا وموفديها؟ واين هي الحساسية السيادية المفرطة حيال حركة السفيرين الايراني والسوري؟ ولماذا هذه الحفاوة الطارئة بجولات السفير السعودي؟

    بين قوى 8 آذار وقوى 14 آذار تقع هذه المقارنات في موقع الاحراج الكبير، لانها تُظهر المسافة الشاسعة بين “المبدئي” الصرف و”الواقعي” الصرف. واذا كانت الكفة الثانية راجحة بقوة لان لبنان في حاجة الى اي جهد يحول دون انزلاقه الى ذلك “الشيء الآخر” الشديد الخطورة والمثير للمخاوف العظيمة، فليس معنى ذلك ان يتجاهل الناس طبيعة القوى السياسية التي تتحكم بمصائرهم والتي تسلس القياد امام اوسع نطاق مكشوف لهامش الازدواجية والتحلل من الاطار المبدئي الصارم حين تجد نفسها محشورة امام واقع سياسي منذر بكل الشرور. أقله فلتعترف هذه القوى مجتمعة اننا في زمن “السيادة المعلّقة” مجددا، ولن تخشى من يحاسبها طبعا في معادلة “فقدان الذاكرة”!

    نبيل بومنصف
    جريدة النهار
    03.11.2010

    Leave a Reply