• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    إنّه العالم، لا القرية

    تقوم الريفيّة في السياسة، أو «الضيعجيّة» في تعبير محليّ، على نزع التعقيد عمّا هو معقّد وتبسيط المسائل بحيث تتّخذ الشكل الذي تكونه في القرية. هكذا تغلب تعابير ومواقف تُحمّل أكثر من طاقتها الفعليّة على التأثير كما يُعوّل عليها أن تنجز ما لا تستطيع إنجازه. ومن أجل ردم الهوّة بين واقع القرية وواقع العالم، تسود الشطارة الكلاميّة ويسود التوكيد على القوّة و «المراجل». فالشطارة التي ينخدع بها جار مسكين في القرية، يراد لها أن تنطوي على العالم، فيما القوّة التي بها نضمن فوزنا بشجرة متنازَع عليها، واقعةٍ بين بيتين، يُراد بها إحراز ما نريد إحرازه في صراع مع العالم الخارجيّ.

    فهذا الأخير، في الذهن الريفيّ، يصار إلى تفكيكه وإلى تسحيره معاً، بحيث تختفي الأفكار والمؤسّسات منه ومن طرق اشتغاله، فيما تحلّ محلّها الألغاز والمؤامرات. ويتراءى للعقل الريفيّ أنّه بالشطارة يكشف المؤامرة المتوهّمَة، وأنّه بالقوّة يحبطها.

    ولبنان، مثله مثل معظم بلدان الشرق الأوسط، تُحكِم الريفيّة قبضتها على عقله السياسيّ. فدرجة تطوّره المؤسّسيّ وضعف تقليده الدستوري وهشاشة تشكّله المدينيّ وقرب مدنه من الأرياف…، كلّها تزكّي الوجهة هذه.

    وغالباً ما تلوّنت الريفيّة بألوان الطوائف والمناطق. فكان للريفيّة المسيحيّة، مثلاً، أن أوجدت تصريفاً لها في المثالات العامّة وفي الميدان الثقافيّ: هكذا بات كلّ أدباء لبنان تقريباً يُعيّنون بقراهم، فيوصف مارون عبّود بـ «أديب عين كفاع»، وأمين الريحاني بـ «فيلسوف الفريكة»، ومخايل نعيمة بـ «ناسك الشخروب»، ويُلحَم جبران خليل جبران لحماً بوادي قنّوبين، كما تنهض التركة الرحبانيّة على القرية والحنين إليها. أمّا في السياسة، فكان ميشال عون البضاعة الممتازة للعقل الريفيّ، هو الذي أطلق انقلابه على «الطائف» في مواجهة تحالف أميركيّ – سوريّ لتحرير الكويت، انضوت فيه يومذاك عشرات الدول وقرابة 750 ألف جنديّ! وهكذا ما إنْ دُكّ الانقلاب العونيّ، المولود مدكوكاً، حتّى انفجر التحليل الريفيّ عن المؤامرة الكونيّة، الأميركيّة- السوريّة- الخليجيّة- اليهوديّة، على لبنان ومسيحيّيه.

    وقبل «تحرير» عون بأربعة عقود، كان «زعيم» الحزب السوريّ القوميّ أنطون سعادة قد اختار قرية جبليّة نائية يعلن منها انقلابه. إلاّ أنّ القرية النائية لا تأثير لها على حركة توزيع السلع ولا على المواصلات، المدنيّ منها والعسكريّ. هكذا أسهم العقل الريفيّ في إجهاض صنيعه.

    واليوم تحتلّ الريفيّة الشيعيّة صدارة المشهد السياسيّ و «التحليل» والتهديد اللذين ينبثقان منه. وفي الإطار هذا، يتولّى «الأهالي» في الجنوب ونسوة العيادة الطبّيّة في الضاحية الجنوبيّة لبيروت إحباط «المؤامرة» الكونيّة ممثّلةً بالتقرير الظنّيّ العتيد، كما تطغى لغة «وليّ الدم» على لغة الحقّ العامّ الدوليّ، فضلاً عن الوطنيّ. وعلى الشاشة الصغرى وعلى صفحات الصحف يظهر من يهدّد ومن يتوعّد بالويل والثبور، فيما القضيّة في مكان آخر لا يملك معه اللبنانيّون، المهدِّدون والمهدَّدون، يداً ولا تأثيراً.

    ويسع الوعيَ الريفيّ، بالقوّة كما بالشطارة، أن يصوّب مسدّساً إلى كلّ رأس. ويمكن للرؤوس جميعاً أن تمتنع عن التعامل مع المحكمة الدوليّة وأن تُحمَل على ترداد العبارات التي يُراد تردادها، من أنّ المحكمة تلك صهيونيّة وغير ذلك. لكنّ هذا، للأسف، سيقتصر تأثيره على البلد الذي يُردّ إلى قرية. أمّا خارج القرية، أي في العالم الأوسع، فالأمور تسلك طريقاً آخر.

    حازم صاغية
    جريدة الحياة
    30.10.2010

    Leave a Reply