• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    كفى اهانة لذكائنا

    عميد الكتلة الوطنية كارلوس اده يرد بحزم على طروحات السيد حسن نصرالله

    حاول السيد حسن نصرالله في مؤتمر صحافي عقده قبل مدة، ان يبرهن ان اسرائيل هي التي اغتالت الرئيس رفيق الحريري. لقد تابعت باهتمام، مثل كثير من اللبنانيين، تحليله والحجج التي قدمها. وبطبيعة الحال، عند الحديث عن اغتيالات سياسية، تتجه الانظار تلقائياً الى الدولة العبرية التي لديها سجل حافل في هذا المجال. وهذه الحجة يستعملها مناصرو 8 آذار.

    ولكن بينما كان الامين العام لـ”حزب الله” يتقدم بتفسيراته، تملكني شعور بأنني قد رأيت هذا المشهد من قبل. بالفعل، ذكرني هذا المؤتمر بعرض مماثل في مجلس الامن، قام به وزير خارجية الولايات المتحدة السابق كولين باول، عندما حاول اثبات وجود اسلحة دمار شامل في العراق، وكلنا يعلم اليوم مدى صحة البراهين التي قدمت في حينه.

    استعملت تلك القدرة على التفكير التي على كل مواطن حرّ ومسؤول ممارستها بدل تصديق كل ما يسمعه، لاقوم بالتحليل الآتي: لننس برهة ردة الفعل اللامبالية للنظام السوري وحلفائه بعد اغتيال الرئيس الحريري، أو كون بعض المسؤولين الامنيين اللبنانيين ارادوا، بعيد الانفجار، تنظيف ساحة الجريمة وطمس الادلة تحسبا لاي تحقيق جنائي او عدلي. ولنتوقف برهة، ومن اجل حاجات التحليل، عند الحجة التي تقول ان اسرائيل هي التي اقترفت الجريمة.

    يتهم “حزب الله” دائما قوى 14 آذار بانها حليفة لاسرائيل او عميلة لها. الا ان جميع الشخصيات التي اغتيلت كانت تنتمي الى هذه القوى. في الوقت نفسه، يعتبر السيد حسن نصرالله نفسه العدو رقم 1 لاسرائيل، فهو يريد تحرير القدس، واعادة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، والغاء الصهيونية. اذا، استنادا الى هذه النظرية، يريدوننا ان نصدق ان الدولة العبرية قررت ان تصفي جميع عملائها المزعومين، وان تترك اعداءها العلنيين على قيد الحياة. هذه الحجة، التي تجافي منطقي، لا معنى لها الا اذا وجدت لغة مزدوجة وحلف سري بين اسرائيل واعدائها في لبنان وغيره.

    بالاضافة الى ذلك، يكفي ان نتذكر ان المسؤولين في 14 آذار عاشوا متحصنين، خلال اشهر طويلة، تخوفا من الاغتيالات، ولم يكونوا يتنقلون الا في حماية مشددة. من جهة اخرى، ولغرابة الامر، لم يكن أولئك الذين يدعون انهم اعداء اسرائيل يخشون شيئاً، وكانوا يتنقلون بحرية تامة مع شعور كبير بالامان. الا ان ذلك كله تغير غداة اتفاق الدوحة. كل الذين كانوا يعيشون متحصنين عادوا فجأة الى حياتهم الطبيعية. وتأكيدا لذلك، وبعد العودة من قطر، اوضحت لي احدى الشخصيات التي شاركت في القمة، وبصورة قاطعة: “لقد توصلنا الى اتفاق، انه لن تكون هناك اي اغتيالات بعد الآن”!

    كيف ينتقل المرء من الخوف الشديد من الاغتيالات الى حياة طبيعية في وقت قصير؟ من يستطيع ان يعطي نوعا كهذا من الضمانات من اجل ان يطمئن من كانوا على قائمة الاهداف؟ للضحية المحتملة عاملان للاطمئنان لا غير: اما ان من كان يصدر الاوامر بالاغتيالات قد شلت حركته (مات، ا عتقل، الخ.)، واما ان المسؤول عن الجرائم اعطاه الضمان بنفسه انه لن تكون اغتيالات بعد الآن.

    لماذا اسرائيل، التي لم تكن في القمة، اوقفت موجة الاغتيالات بعد الدوحة؟ وفي مقابل ماذا؟ كل هذا لم يشرحه لنا السيد حسن نصرالله، الواقع هو ان الاغتيالات توقفت بعد صفقة الدوحة. ان المنطق يقول اذا ان اولئك المسؤولين عن تلك الاغتيالات كانوا هناك او كانوا ممثلين.

    من دون تقبل الامر، افهم ان العنف والدعاية وغسل الدماغ تدخل في الثقافة السياسية في هذه الناحية من العالم. ولكن ما اراه مثيراً للغضب هو محاولة اهانة ذكائنا من خلال مقترحات بهذه السخافة، وخصوصا ان يصدق البعض تلك المقترحات بهذه البساطة.

    ولكن كل هذا اصبح ثانويا لان اولويات جديدة تخص العدالة، احتلت مكان الصدارة لدى الذين يحتكرون حمل السلاح في لبنان: قضية ما يسمى “شهود الزور”. حتى ان البعض ذهب الى طلب المساعدة من القضاء السوري، مع التصفيق والتهليل من كثير من اللبنانيين. عندما نرى كيف تتعامل العدالة السورية مع مثقفي بلادها الذين يعارضون النظام البعثي، عندما نسمع شهادات الذين امضوا سنوات في معتقلاتها من دون محاكمة او بناء على احكام اعتباطية، او ذكريات التعذيب التي تعرضوا لها، وعندما نتذكر جميع اللبنانيين الذين انتزعوا من منازلهم واخذوا بالقوة الى سوريا ولم يرهم احد بعد ذلك، افضل ما يمكن ان يقال عن العدالة السورية هو انها… غائبة!

    في نهاية المطاف، نعلم ما كانت اقتناعات النائب وليد جنبلاط وكيف أجبر على التنازل عنها. واول شاهد زور واكثرهم زورا هو العماد عون، الذي اكد امام التلفزيون الفرنسي ان سوريا هي وراء اغتيال الرئيس الحريري، وبعد ذلك قال العكس. نستطيع ان نتخيل كيف تم احتواءه. لماذا علينا ان نتفاجأ اذا ان عاد بعض الشهود عن شهاداتهم؟ في النهاية، لكل شخص قدرة محدودة على مواجهة المال او الخوف. من يستطيع القول، في الظروف الحالية، اذا غير احد الشهود شهادته لان نيته كانت سيئة في الاساس، أو لانه تعرض للتهديد هو وعائلته، او لانه اغري مادياً للرجوع عن شهادته؟

    ان قوى 8 آذار لا تعترف باستقلالية القضاء المعمول بها في البلدان ذات التقليد الديموقراطي، والتي كانت يوما في لبنان بعيدا من التهديدات واغتيالات القضاة. في النظم الديكتاتورية، الادانة والبراءة هما من صلاحيات المسؤولين السياسيين، وتساهم المحاكم فقط في الباس القرارات السياسية قناعاً قانونياً. هذا ما هم معتادون اياه، وهذا ما يحاولون فرضه في لبنان.

    وماذا عن القضايا؟ ماذا عن الرئيس الحريري، وقادة 14 آذار، والمواطنين الابرياء الذين استشهدوا؟ انهم مذنبون لانهم اغتيلوا ولانهم اطلقوا، بمقتلهم، تحقيقاً عن اغتيالهم! ماذا عن مروان حماده، والياس المر، ومي شدياق؟ انهم مذنبون لانهم افلتوا من قاتليهم وبقوا على قيد الحياة! وماذا عن نحن، المواطنين اللبنانيين؟ نحن مذنبون لاننا اردنا ان يمثل القتلة امام عدالة مستقلة، للتأكيد ان العنف لن يبقى وسيلة سياسية في لبنان.

    كثير من القضاة والمحامين والصحافيين والمواطنين يقاومون يوميا، كل ضمن نطاق عمله وبشكل غير معلن، الافلات من العقاب ومحاولات تحجيم العدالة الى وسيلة للقمع السياسي، كما يحصل في سوريا وايران، آخرون، لا يقلون عنهم شأناً لكن املهم خاب من قادة 14 آذار، فقدوا حماستهم. لكن اهمية الدفاع عن المحكمة الخاصة بلبنان تذهب ابعد من العدالة من اجل ضحايا الاعتداءات. هذه المحكمة، شأنها شأن كل محكمة مستقلة، يجب الدفاع عنها بأي ثمن، ايا يكن حكمها، لانها الحماية الوحيدة التي يمكن مواطنا ان يأمل فيها من اجل الدفاع عن حقوقه.

    واذا خسرنا هذه المعركة، سوف نرى يوما ان هذه الحرية، التي نعتبرها من مكتسباتنا، قد فقدت. وعندها، لن يكون السكوت حتى كافيا: سنكون جميعاً مرغمين على ان نعدّل في خطاباتنا، مثل التغيير الحاصل في موقف النائب وليد جنبلاط من دون دولة ولا عدالة مستقلة تدافعان عنّا، وفي مواجهة التهديد الذي لا لبس فيه والذي نعرفه، كل منا سيكون ربما مجبرا على ان يقول عكس ما يفكر فيه، ان يعطي الحق دائماً لعنف من يقمعه.

    كارلوس إدّه
    جريدة النهار
    27.10.2010

    Leave a Reply