• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    متعتع الطرق وقاتل الأحياء

    مشهد بات يتكرر في لبنان بوتيرة مأساوية

    الاسبوع الماضي نُشرت على “المنبر” رسالة، كان يفترض ان تكون هي الافتتاحية، في جريدة مثل “النهار” لم تغيّر أقانيمها الثلاثة منذ ثلاثة أرباع القرن: الوطن، الدولة، الإنسان. في تلك الرسالة تقول جميلة عطاالله إن القاتلَين اللذين أوديا بشقيقتها ليليان قبل ستة أشهر فيما كانا يتسابقان على اوتوستراد الموت، خرجا من السجن، وهما يقومان برياضتهما المفضلة على الاوتوستراد من جديد: قتل الصبايا واغتيال الشبان. وفي اليوم التالي لنشر الرسالة، توجه وائل قاسم ماشياً الى مدرسته، غير مدرك ان القاتل في الانتظار: ب. م. ف حمراء، تفاؤلاً بلون الدم الذي سوف تريقه على ابن الـ 17 عاماً.

    الجمعة الماضي، 23 تشرين الاول، حصد قتلة التعتعة والمتعة ستة آخرين، جميعهم غير لبنانيين، مشاة فقراء، لا يملكون ثمن اعادة الرفات الى ارضهم وذويهم، جاؤوا يعملون وليس يُقتلون. وقبل ثلاثة اشهر كان مشّاءٌ شهير، هو الشاعر الروائي عباس بيضون، ذاهباً الى منزله، عندما تصدى له لبناني مزوّد سيارة مزوّدة جهاز سرعة، وبدل البيت ذهب الشاعر الى الغيبوبة، والحمدلله انه خرج منها، على الاقل ليقرأ ما كتبه المريدون، وما اختصره ألكسندر نجار في ملحق “الاوريان لوجور” الادبي تحت عنوان: قام ومشى.

    عدد ضحايا السير الجمعة الماضي كان في عدد ضحايا القتل اليومي في الصومال، التي وصفت، بعد مئات الآلاف من موتى المجاعات والنزاعات الاخوية وخلافات الاشقاء، بأنها “وطن بلا دولة”، مما يجعلها تتقدمنا بكثير في مقياس ومعدلات الامم، لاننا لا وطن ولا دولة.

    لا نريد ان نرى زياد بارود مرة اخرى، عقب يوم قتل جماعي آخر، يعدنا بأنه سوف يحيل على التأديب آمر فصيلة المنطقة المعنية. أكثر ما يستطيع ان يفعله الوزير العزيز هو تقديم العزاء الى اهل الضحايا، وان يخصص (بالتعاون مع وزارة الصحة) فريقاً قادراً على انتزاع الاشلاء وتحميلها في اكياس خاصة، كما حصل على اوتوستراد الكلب، للسيدة التي فوجئت بسيارة آتية بعكس السير. يا للغباوة. ألم تكن تعرف تلك المسكينة (وقد تبيّن انها لبنانية منذ اكثر من عشر سنين) ان اوتوسترادات لبنان على خطين: واحد للقتل الفوري، وواحد للموت بالاعاقة؟

    بعد كل يوم صومالي، عراقي… على طرق لبنان، يخرج علينا زياد بارود كئيباً وغاضباً. وفي اليوم التالي تخرج الى الموت مرة اخرى دفعة أخرى، أو “وجبة” أخرى، كما كانت تسمى الاعدامات ايام صدام حسين. وسوف أحاول ان أشرح للوزير بارود، لماذا يجب ألا يكلّف نفسه مرة أخرى أي تهديد: لأن “الله لا يكلّف نفساً الا وسعها”.

    وليس في وسعك شيء. ودعني أشرح: في بلد، لا وطن فيه ولا دولة، تميل الناس الرخوة النفوس الضحلة الرحمة، الى الاصغاء للذين يدعونها الى العصيان المدني، لا الى الضمير الوطني. وعندما يصدر أصحاب دعوات العصيان وتسخيف أجهزة الدولة وبث مناخات القرف والفزع اليومي، عندما يصدرون – كالعادة – ملحقاً يومياً يوضحون فيه انهم لا يقصدون بالدعوة الى العصيان، العصيان المدني نفسه، يفوت ذوي النفوس القاتلة ان يصغوا الى الملاحق.

    ثمة صومال شفهي في لبنان، صومال شفهي يومي، بالصوت والصورة، يصعب في غاباته تذكير الناس بالقانون، او مخاطبة القتلة بتعابير البشر. كما يصعب على القاضي التمسّك بالقانون، لان من المفروض فيه، بناء على ما يسمع كل يوم، ان يفقد الثقة بالدولة والحكم والنظام العام، وان يصغي، مع من يصغون، الى صوماليات البلد وأحكام القراصنة. وإلا، بموجب أي ضمير قانوني، يُفرَجُ بعد أشهر عن قاتلَي ليليان عطاالله، ويتركان طليقين على اوتوسترادات الموت، والاتجاهات المعاكسة عند جسر الكلب وباقي جسور الكلاب. والرحمة على بني البشر.

    من المستحيل، أيها الوزير العزيز، ان تبحث الشعوب عن القانون العام، بين الاقدام وتحت الجزم. معذور أنت، فلا تغضب ولا تكتئب. عندما يعتبر القاضي ان قتل المتعة هو مجرّد جنحة تنتهي عقوبتها مع انتهاء التحقيق، لا تحاول ان تبحث عن الضمائر بين القبور. لا تحاول ان تبحث عن سويسرا الشرق في صومال الشرق. لا تحاول ان تسأل، او ان تعرف لماذا يُقتل ستة مساكين فقراء في يوم واحد، كأنما عصابة السير واحدة، وذات برنامج واحد وسلوك واحد واخلاق واحدة.

    عندما قتلت ليليان عطاالله بأيدي مجرمي التعتعة وقتلة المتعة على اوتوستراد بحر الموت، قرأت في الصحف انها كانت زميلة لنا. قرأت في حزن، شباناً وشابات، يرثون صبية طيبة ومليئة بالحياة، دفع بها قاتلان الى لجة الموت. اعتقدت ان قاتلها فرّ كالمعتاد. لكن الامر كان أسوأ بكثير: القاتلان اعتقلا، ثم أمر قاض أو قضاة باطلاقهما. ليس بعد المؤبد، بل بعد بضعة أشهر. وفيما هي عظام وأهلها لوعة، هما يتسابقان بحثاً عن ليليان أخرى.

    يحدث هذا في المناخات الصومالية، وأزمان تفكّك الدول، يحدث عندما تتحوّل الدولة مكباً سياسياً، أو زانية تتجمع عليها حجارة الراجمين. عندما تفيق الناس وتنام، كل صباح وكل مساء، على مجموعات تشتم القانون، وتدافع بصوت عال عن أفظع أنواع الارتكاب، وعندما يصبح الشرطي هو المطلوب للعقاب والتأنيب والتعنيف والسخرية والإهانات والذم والنكران والتحقير، عندها، الوطن يلحق برماد الدولة.

    أي شجاعة سوف تبقى بعد ذلك لرجل ان يطبّق قانوناً؟ أي هيبة لوزير يهدده زعيم سياسي أمام جميع الناس ويتوعده؟ اي دولة وأي وطن، في ظل مثل هذه الممارسة للسياسة العامة؟ أي قانون وأي نظام عام وأي قضاء، في ظل مثل هذا الخطاب السياسي الناعب، الناعي، والغارق دائماً بسقط التعابير.

    لا، لم نكن دائماً هكذا. سوف أروي لك حكاية زميل راحل كان يدعى ريمون عقل: ذات يوم، تسبب الرجل بسيارته، بوفاة انسان. فماذا تريده ان يفعل، منذ تلك اللحظة وحتى وفاته؟ إليك ماذا كان يفعل اللبنانيون قبل ثقافة القتل المتعتع: لم يعد يجلس الى مقود طوال العمر. لم يعد في امكانه ان تتراءى له صورة ضحيته. لم يفعل ذلك بموجب قانون أو حكم أو قرار. كان لبنان لا يزال بلد الضمائر، سائقين وشرطة وقضاة.

    هذه ليست ظاهرة سير. هذه ظاهرة انحلال وتفكك وطني وانزلاق نحو حال بلاد الصومال، بعموم ألقابه السابقة، من إيطالي الى بريطاني الى بلاد البونت. وقد تسأل ان كان مثل هذا الكلام لا يؤلمني. وأريد ان اقول لك، لا. لا. انا يؤلمني مقتل ليليان عطاالله (لا صلة قرابة) ووائل قاسم ومصري وفلسطيني وسوريين قتلوا في الطريق الى أعمالهم أو مدارسهم أو منازلهم. ستة قتلى سير في يوم واحد، في كل يوم، مدى أيام السنة، هذه ليست معدلات “حوادث” سير. هذه نسب الكوارث الوطنية والاخلاقية، التي نرفض ان نراها او ان نسمعها، لكثرة ما تبلدت أحاسيسنا، وما فرغت آدابنا وما اهترأ سلوكنا الاجتماعي وانحطّ وتردّى وسقط. وهو مستمر في ذلك. راقب “اورجيات” التصريحات على التلفزيون. وقارن. قارن، بيننا، وبين بلاد البونت في الصومال. وبين الصومال الايطالي. قارن. قارن، وسوف تجد ان القانون هناك لا وجود له على الاطلاق، لكنه على الاقل ليس مطلوباً للعدالة. وليس موضع تندّر وتسخيف وسخرية على التلفزيونات.

    قال لي وزير خارجية البحرين، الشيخ خالد بن محمد آل خليفة، الذي تجمعني به مودة سنوات طويلة، قال: هناك صورتان للعربي في العالم، الصورة التي رسمتها له “هوليوود”، وهي صورة البدوي ومعه ناقته وخلفه أربع نساء، وهناك الصورة التي رسمها لبنان: صورة جبران خليل جبران والجمال الطبيعي والبشري وقوافل المطابع ومسرح جورج شحادة. ولما أراد ان يكمل، قاطعته بما لي من مونة: ارجوك لا تستطرد. اليوم قتل ستة قتلة ستة مساكين، وغداً يطلقهم القضاء الخائف خلف ست ضحايا أخرى. دعك من عبث الاستطراد. هذا بلد فقد الرحمة وفقد ماضيه وفقد علة وجوده بين أمم الشرق.

    سمير عطالله
    جريدة النهار
    27.10.2010

    Leave a Reply