• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    الشتامون التخوينيّون هم شهود الزور الحقيقيون

    ليست هي المرة الأولى في تاريخ منطقتنا وحضارتنا التي تستحضر فيها أجواء الفتنة المذهبية والطائفية مصحوبة بهذا الكمّ من السُباب العنيف، بل ان الشتيمة المنظّمة شكّلت ثابتة خطيرة في تاريخ الفتن. ما أراد الشتّامون المحترفون عبر التاريخ أن تظلّ الفتن صامتة محدودة يمكن نسيانها، بل أطلقوا العنان لما في جعبتهم من قبيح الكلام كي تأتي الفتن دمويّة صاخبة ماجنة تورث الأحقاد. وكم مرّة اندلعت في تاريخ منطقتنا وحضارتنا الفتنة المذهبية والطائفية لأنّ رهطاً من البشر أظهر نفسه مندوباً للفضيلة، فراح يشتم شرفاء القوم ثم آباءهم ثم أسلافهم، ويشمت بالشهداء والذين قضوا غدراً وغيلة، فيتجنّى ويدلّس ويروّج للخبر المردود ويمتهن أرخص أنواع الكذب؟

    وهذا الكمّ من السُباب الذي حفظه تراثنا، كدليل على تجذّر الفتنة وانتقال بعض مشهدياته وأشكالها من جيل إلى جيل، إنّما هو السُباب عينه الذي يوجّهه أنصار الفضيلة المزعومون، الذين فاتهم تهذيب اللسان، ضدّ حركة إستقلال الشعب اللبنانيّ، وضدّ مكتسبات 2005 الإستقلاليّة والديموقراطيّة.

    وهذا السُباب إذا ما نسب نفسه إلى “معاداة الإستعمار” أو إلى “حزب الفضيلة” أو إلى “مكافحة الفساد” إنّما يزيد من الطابع المذهبيّ والطائفيّ للفتنة ولا يقلّله، لأنّه يغذي الدائرة الشيطانيّة للتخوين والتخويف والتعنيف، بحيث يفرض على البلد مناخ إضطهاد فريق لآخر، وملّة لأخرى، بقوّة السلاح أو تحت وطأته، ويرتبط هذا المناخ المحلّي بمناخ إقليميّ يحيي الفتنة المذهبية من بابها الواسع.

    فلو كان الحاصل في لبنان مقتصراً عليه لهان الأمر، إنّما الأمر ليس كذلك، وصدام المذاهب نراه بين مسلمي الهند أنفسهم، وفي الباكستان، وفي بلوشستان الإيرانية، وعلى إمتداد العالم العربيّ حيثما تعدّدت المذاهب، ولم يعد ممكناً أن يماري أحدهم بأنّ الإنتفاخة الطاووسية لـ”المشروع الإيرانيّ” غير مسؤولة بالدرجة الأولى عمّا يحدث. ما عاد ينفع رمي المسؤولية على الإستعمار والإستشراق، ولا ينفع بالطبع حصرها في برنامج تلفزيوني!

    لقد حملت الثورة الإسلاميّة الإيرانيّة وعداً حقيقياً بمداواة هذا الجزء من تراثنا الحضاريّ المصاب بالفتنة، أي المصاب بالعجز عن التعامل مع الواقع التعدّدي لهذا التراث. لكن الوعد انقلب إلى نقيضه بسرعة. كما أن الثورة كانت في الوقت نفسه ثورة مضادة. كانت ثورة على التنوير والتغريب وضدّ المرأة والشبيبة والجامعة والمدينة، وفي الأساس ضدّ أن تكون إيران دولة أمة، ولأجل أن تكون إمبراطوريّة، أي أنّها كانت ثورة على الشاه محمد رضا بهلوي لأنه لم يكن بهلوياً كفاية. لقد تحوّلت إلى ثورة تعيد إنتاج العصبية القومية الشوفينية الفارسية، لكن هذه المرّة على قاعدة تصحيرية، أي على قاعدة القطيعة التاريخية ليس فقط مع التراث الغربي، وإنما قبل كل شيء مع التراث الحضاريّ الفارسيّ، وليس أبداً على قاعدة إحياء هذا التراث الحضاري كما فعلت النهضتان الثقافيتان الساسانية قبل الإسلام، والصفوية في القرن السادس عشر.

    وهناك من اعتقد في قيادة هذه الثورة أنّ القطيعة التصحيريّة مع التراث الحضاريّ الفارسيّ من شأنها أن تزيل الحواجز أمام توسّع نفوذ الثورة الإيرانية بين العرب. وكم كان خاطئاً هذا الإعتقاد. كانت القطيعة التصحيريّة صنواً للغلوّ القوميّ الشوفينيّ، وكان الغلوّ القوميّ الشوفينيّ صنواً للنبش في الدفاتر القديمة للفتنة المذهبية، وهذه المرة الفتنة آتية بتقنيات واتصالات وأسلحة عالم اليوم.

    إن التصحير الثقافيّ لإيران يبعدها عن العرب، لا يقرّبها. وهذه المعادلة هي التي فاتت الثورة الإيرانية، التي هي أيضاً ثورة مضادة كما أسلفنا. وفي الوقت نفسه، فإن هذا التصحّر الثقافيّ يطبع النموذج اللبناني لاستيراد الثورة الإيرانيّة، أو استيراد نظام الثورة.

    لأجل ذلك، ربّما كان أوّل الغيث في تصحيح الخطأ، هو مبادرة حقيقية، من القيّمين على الخط الإستيراديّ للثورة الإيرانيّة في لبنان، الى إصدار فتوى بتحريم السُباب ولغة الشتيمة المنظّمة ومسرحيات التخوين من على منابرهم وشاشاتهم، إلا إذا كان هؤلاء يعتقدون حقّاً بأنّ الفتنة المذهبية محصورة بحلقة من برنامج تلفزيوني أريد نبشها، وليست هي جزءاً من حال العالمين العربيّ والإسلاميّ اليوم، بل جزء أساسيّ من أزمة إنقطاعنا الحضاريّ وانسدادنا التاريخيّ. إنّ الشتامين التخوينيين هم شهود الزور الحقيقيين في هذا المجال، وليس المحكمة الدولية.

    فالمحكمة الدولية ضرورية أكثر من أي وقت مضى لأنّها تعالج ملفّات ما لم تعالج بلغة القانون الدوليّ فهي سترتدّ حتماً اليوم أو بعد حين إلى اشعال الفتنة. وأخصام المحكمة الدوليّة هم الذين يريدون الذهاب رأساً إلى الفتنة، ويتصوّرون في الوقت نفسه بأنّهم قادرون على حسم الفتنة لصالحهم في المجال اللبنانيّ الضيق، كونهم يتمتعون بدعم إقليميّ ضخم، وقد فاتهم أنّ الفتنة هي الأخرى ممتدة أبعد بكثير من حدود لبنان، وانها واقع شرق أوسطيّ بامتياز. وهذا التجاهل لحدّة الفتنة، وطابعها الإقليميّ، هو خطأ مميت، بكل ما للكلمة من معنى.

    وسام سعادة
    جريدة المستقبل
    25.10.2010

    Leave a Reply