• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    تغير المناخ عامل جديد مؤثر على الأمن الغذائي… والعلة باقية في نظام السوق

    لم تعد قضايا الغذاء والفقر والجوع مفصولة عن قضايا البيئة في العالم، وقد بدت متداخلة متفاعلة في ما بينها أكثر من أي يوم مضى وتتبادل التأثيرات السلبية. حتى ان كل كارثة باتت تنفد الى غيرها. فبالإضافة الى مشكلة الغذاء والفقر التاريخية التي زادت بدل ان تنقص مع تزايد أعداد الذين يعانون الجوع ليتجاوز المليار إنسان، بحسب آخر إحصاءات «منظمة الأغذية والزراعة» التابعة للأمم المتحدة الأخيرة… تطرح علامات استفهام عدة، حول ما قدمته الثورة الزراعية الأولى حين أدخلت كماً هائلاً من المبيدات والمخصبات الكيميائية، بحجة زيادة الإنتاج ومحاربة الجوع…. فلوثت التربة والمياه والأنظمة الغذائية، وزادت من عمق المشكلة بدل ان تحلها. كما لم تحقق الثورة الثانية بإدخال الهندسة الجينية وتعديل جينات المحاصيل لمقاومة الأمراض وزيادة الإنتاج سوى الأرباح الكبيرة للشركات والخسائر لصغار المزارعين (لا سيما خسارة البذار) وتهديد التنوع البيولوجي وخسارة الكثير من الأنواع إلى الأبد.

    واذ بقيت المشكلة في سوء إدارة الموارد وتوزيعها وليس في ندرتها وعدم كفايتها… بقي النظام الغذائي دون حل، كون المشكلة هي في نظام السوق القائم على المنافسة والاحتكار والاستغلال المفرط للموارد، بالإضافة الى استغلال القوي للأضعف.

    وقد دخل الموضوع البيئي والمناخي هذا العام كحجة إضافية لزيادة أسعار الأغذية الرئيسية والتنصل من الالتزامات الدولية بمكافحة الجوع. ولعل أبرز العوامل التي دخلت الى التقارير الدولية التي تناولت أزمة الغذاء في العالم هي حرائق الغابات والحقول الزراعية في روسيا والفيضانات التي ضربت باكستان.

    إلا ان هذه المشاكل ليست المدخل الصحيح لتقييم دور البيئة وإشكالياتها في سلامة وكفاية وديمومة النظام الغذائي. يمكن القول ان الاختلالات العميقة في النظام الغذائي ناجمة عن اختلالات في النظام البيئي. ولكن ما سبب هذا الاختلال، أليس النظام الاقتصادي المسيطر؟ أليس نظام السوق؟ أليس نظام التنمية القائم على زيادة الإنتاجية والاستهلاك، بما يفوق الحاجات الأساسية للبعض ويحرم البعض الآخر من الحاجات الضرورية؟

    واذ يتسبب الغنى بزيادة الاستهلاك، الذي يتسبب بدوره بزيادة إنتاج النفايات وبزيادة استهلاك الطاقة والتسبب بانبعاثات خطرة على المناخ، كذلك قد يتسبب الفقر بزيادة القطع والرعي والتسبب بمشاكل بيئية كبيرة. صحيح ان نظام الحياة المدنية ولا سيما في الدول التي تصنف «متقدمة»، يتسبب بالمشكلة الاكبر على مستوى الكوكب، الا انه لا يزال يرفض ان يدفع الثمن الاكبر لحل تلك المشاكل التي تسبب بها، ان على مستوى زيادة الفقر أو على مستوى تغير المناخ العالمي.

    كما لا يمكن إغفال عامل جديد سلبي ومؤثر دخل بقوة في الفترة الأخيرة على عالم مفاقمة الجوع، وهو «إنتاج الوقود الحيوي» بحجة محاربة تغير المناخ، أي استخدام حقول واسعة من المحاصيل الزراعية لتحويلها الى وقود للسيارات بدل الوقود الاحفوري، مما يزيد في الطلب على الكثير من الحبوب والمواد الغذائية ويساهم في ندرتها وارتفاع أسعارها. فقد ارتفع انتاج الوقود الحيوي ثلاثة أضعاف من العام 2000 حتى العام 2007 بالتزامن مع ارتفاع الأسعار المواد الغذائية ذات الصلة بما يقارب السبعين في المئة بين عامي 2006 و2008، بحسب إحصاءات منظمة الأغذية والزراعة العالمية (الفاو).

    كما تسبب ارتفاع أسعار السلع الغذائية الرئيسية كالأرز والقمح بأعمال عنف ونزاعات دامية (كما حصل منذ عامين في 60 دولة، حسب الفاو)؛ وأدى تخزين المستوردين للسلع وتدافع بعض الدول والشركات الغنية لشراء أراض زراعية أجنبية (في البلدان الفقيرة) إلى أن تتصدر قضيتا نقص الإمدادات الغذائية والجوع الأجندة السياسية كما ثارت مخاوف من حقبة استعمارية جديدة في الدول الفقيرة… مما يعيد طرح قضية كيفية اعتماد استراتيجيات في البلدان النامية لتشجيع العودة الى زراعة الأغذية التقليدية وتأمين الحد الأدنى من الاكتفاء الذاتي من بعض الزراعات الأساسية.

    بالاضافة الى ذلك، لم ترصد الامم المتحدة في تقاريرها السنوية قضية التأثيرات السلبية للنظم الغذائية الغربية المعولمة كـ«المأكولات السريعة» (فاست فود) على النظام الغذائي العالمي. فكل شريحة لحم بقر (هامبرغر) تتطلب كمية كبيرة من المياه والحبوب التي تحتاجها البقرة لجمعها (على البقرة ان تأكل 7 كيلوغرامات من الحبوب وسبعة آلاف ليتر من المياه لتجمع كيلوغراما من اللحم)، وبالتالي فإن تغيير النظام الغذائي العالمي القائم بشكل رئيسي على الوجبات السريعة والعودة الى المأكولات التقليدية التي تعتمد على الحبوب والبقوليات والخضار والفواكه، بشكل رئيسي، يمكن ان يؤمن الغذاء (من حبوب ومياه) لكل الناس، كما يمكن ان يؤمن نظاما غذائيا صحيا ومتوازنا لكل فرد.

    كما لا يمكن إغفال قضية زراعة حشيشة الكيف والتبغ التي تأخذ بشكل كبير أمكنة الزراعات الغذائية، والتي يفترض إعادة النظر بها، او على الأقل تحويل الدعم الذي تتلقاه (كما هي الحال مع زراعة التبغ في لبنان) إلى زراعات بديلة مفيدة لحل الأزمة الغذائية.

    وفي كل الحالات، لا بد من العودة الى سلطة الدول وإعادة الاعتبار لأدوار الدولة الرئيسية في حماية التنوع البيولوجي في العالم وحماية وتأمين مصادر الغذاء والتدخل لضبط الأسواق وجنوح واستغلال الشركات الخاصة الكبرى، التي تضرب بأنظمتها الخاصة، الأنظمة الغذائية والايكولوجية معا، والتي بدأت تهدد الكثير من الأنواع في العالم بالانقراض، بسبب إنتاجها البذور المعدلة جينيا التي وضعت فيها خاصية الانتحار أو الموت، لكي تلزم المزارع بالعودة اليها سنويا لشراء البذار.

    ولعل المشاكل المنتظرة، مع التغيرات المناخية التي لا مفر منها ومن آثارها السلبية على الامن الغذائي العالمي، ومع اتجاهات الخصخصة وسيطرة قوانين اقتصاد السوق القائمة على المنافسة، لن تبقى على مستوى زيادة الجوعى في العالم، بل ستنتقل الى تهديد التنوع البيولوجي وأسس الحياة على هذا الكوكب.

    حبيب معلوف
    جريدة السفير
    19.10.2010

    Leave a Reply