• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    القوة الغاشمة الغشيمة

    قد يكون الزعيم الهندي المهاتما غاندي هو أوَّل مَنْ رفض العنف وسيلة لإحقاق الحق، وأوَّل القائلين إن القوة ليست هي الحل إنما هي المشكلة. في العصر الحديث على الأقل.
    تجارب القوة والعنف شبه المتواصلة في لبنان منذ عقود طويلة، تؤكٍّد بدورها ما توصل اليه غاندي من قناعات. فالقوة في لبنان برهنت، خلال حروب وثورات واضطرابات وازمات لا تحصى، أنها لم تولٍّد إلا العنف، والدم لم يستجلب إلاّ الدم، والتطرُّف لم يحصد سوى المزيد من التطرّف.

    منطق القوة والغطرسة والانبهار بالسلطة والعروش والذات قاد العالم الى حربين كبريين، اقتنع على أثرهما القادة والزعماء والمفكرون والمثقفون أنَّ الحروب لا تحل الازمات بل تأتي بالخراب والندم، وتنزل بالشعوب أَبشع الكوارث والمآسي.

    والذين قرأوا تاريخ الامم واطلعوا على حضارات الشعوب، يذكرون حتماً ان الانبهار بعظمة القوة المطلقة أوصل الامبراطور الفرنسي نابليون بونابرت الى منفاه الموحش في جزيرة سانت ايلان، حيث عانى الندم والوحدة تحت رحمة ضابط بريطاني لا يعرف الرحمة جعله يتجرَّع موته من غير أن يكون قادراً حتى على الاعتراض.

    في السياق ذاته نكتشف دليلاً آخر ومثلاً ساطعاً، حيث دفعت النشوة الشوفينيَّة بالتفوق العرقي والشخصاني الهر أدولف هتلر الى حرب وحشيَّة لا تزال آثارها شاخصة حتى يومنا هذا، وأدَّت به نهايتها المدمٍّرة الى الانتحار مع عشيقته ايفا براون وأبرز ضباطه في ملجأ تابع للرايش الثالث، وعلى النحو الذي يعرفه كثيرون.

    أما تجربة الرئيس المصري جمال عبد الناصر، وبدافع من الشعور نفسه، فان القضيَّة الفلسطينية والعالم العربي ولبنان بصورة خاصة لا تزال تسدّد ثمن فاتورتها الباهظة جداً…

    ليس من الضروري هنا، في هذا السياق، إعادة عرض الفيلم اللبناني الطويل الذي لا تزال مسلسلاته تحتل الشاشات حتى الساعة، والذي يعكس بصورة جليَّة الدور السلبي لعنصر القوة والغطرسة، وما يؤدٍّي اليه الغرور ووهم التفوّق.

    الهدف المباشر لهذه المراجعة يتركَّز في الدرجة الاولى على تنبيه اللبنانيين وايقاظ ذاكرتهم الى ما فعلته هستيريا امتلاك شيء من القوة جعل البخار يتصاعد سريعاً الى الرؤوس، ليحصل ما حصل، ولا تزال ذيوله تتفاعل وتحتجز لبنان في زاوية القلق المصيري والخوف من طيش مالكي القوة الذين يبدو انهم لم يقرأوا التاريخ، ولم يتعظوا حتى من معاناة بلدهم التي مصدرها هوس القوة.

    ولٍمَ نذهب الى عمق التاريخ وحديثه. فها هي أميركا العظمى لا تزال تدفع جزية الاغترار بالقوة والتفوق، منذ مغامرتها القاسية في غابات فيتنام، ثم “غابات” الانتحاريين بين افغانستان وباكستان والعراق وعربستان…

    لذا قيل القوة الغاشمة، أو القوة الغشيمة.

    نعود من هذه الجولة السريعة في صفحات القوة الى الجو اللبناني المشحون بكل انواع الاحتمالات، لنتوقف أمام مبادرة قيادة الجيش، وتأييد موقفها الحاسم وتأكيدها انها ستتصدى بحزم لمنع الفتنة.

    زيان
    جريدة النهار
    11.10.2010

    Leave a Reply