• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    إذ نتهيّأ لاستقبال أحمدي نجاد

    رش ميّ رش ميّ!… مستوحاة من “صح النوم!” للأخوين رحباني

    ثمّة فارق بين استقبال بلد ما لملك أو لرئيس أجنبيّين، وهو ما يدخل في حيّز العمل الديبلوماسيّ، وبين استقبال لبنان، بعد أيّام، للرئيس الإيرانيّ محمود أحمدي نجاد.

    فهنا، وعلى عكس ما تمليه الديبلوماسيّة وما تنطوي عليه، يتصرّف زائرنا كواحد من آلهة الحرب، يقول من الكلام الدمويّ ما بات العرب، في أغلبهم، يتنصّلون منه، ولا يمانع في توريط البلد المضيف في حرب لا تترك للغربان سطوحاً أو أعمدة تنعق من فوقها.

    وثمّة من يقول، تبريراً للاهتمام به والاتّعاظ بأقواله وأفعاله، إنّ من غير الجائز ألاّ تكون لإيران عندنا نفس الحصّة التي للغرب الأميركيّ والأوروبيّ. إلاّ أن هذه المساواتيّة شكليّة جدّاً، بل من صنف خرافيّ.

    ذاك أنّ «السياسة» هي وحدها ما يعوق تماهينا مع الغرب، فيما «السياسة» هي وحدها، وضداً على كلّ شيء آخر، ما يدفع بعضنا الى التماهي مع إيران. وبلغة أخرى، فنحن حين نأكل وحين نلبس وحين نبني بيوتاً ومكاتب، وحين نكيّفها تبريداً أو تسخيناً، وحين نبحث عن علم وعن عمل وعن مستشفى، نقصد الغرب أو نرتاد المؤسّسات التي بناها في بلدنا. ونحن حين ننتقل بالسيّارة أو القطار أو الباخرة أو الطائرة، وحين نقف على ضوء الإشارة، نكون نعتمد سلع الغرب وقوانين الغرب. وحين نعود إلى ذاكراتنا ومخيّلاتنا والصور التي عرضت لنا وما بثّته فينا من أمزجة وحساسيّات، نكون نسترجع روايات الغرب وأفلامه وكتبه وتلفزيونه. والعربيّ المتوسّط، لا اللبنانيّ فحسب، يقضي نهاره، منذ الاستيقاظ حتّى النوم، وهو يقلّد الغرب أو يحاول تقليده. يصحّ ذلك أيضاً في حدّي نهاره، أي في حلاقة الذقن والاستحمام اللذين يُبدأ بهما النهار، فضلاً عن الحمّام ذاته، كما في السرير الذي تعلّمنا من الغرب أن نصنعه وأن ننام فيه. وغنيّ عن القول إنّ الغرب هو الذي علّمنا ويعلّمنا كيف ننتخب وكيف نعارض، بما في ذلك معارضة الغرب ذاته. وفي الانتخاب وفي المعارضة وفي الحكم، لم يكن أحمدي نجاد إلاّ تلميذاً فاشلاً بدليل ما تقوله المعارضة الإيرانيّة التي تطعن بشرعيّة انتخابه.

    وهذا، في نظرة أعرض من السياسة وأعمق، يجعل الغرب داخليّاً لا خارجيّاً، كما يُدرجه في دواخلنا الحميمة، أوقف «معنا» في فلسطين أم وقف «ضدّنا»! أي أن عيشنا وفكرنا وعلمنا وصحّتنا وقوانينا ومخيّلاتنا وأمزجتنا مصنوعة كلّها بموجب ما تعلّمناه من الغرب أو رأيناه في الغرب أو قلّدنا الغرب فيه.

    وواقع كهذا هو وحده ما يطمئننا إلى المستقبل، وإلى أنّ الحركات النضاليّة المولودة من رحم عقدة النقص سوف تُهزم على المدى الأبعد. فأن تكون «ضدّ» الغرب اليوم هو أن تكون ضدّ أجيال سوف تتلاحق وتتكاثر، كلّ جيل منها سيكون أكثر غربيّة من سابقه.

    فالمعركة، على المدى البعيد إذاً، ميؤوس منها، وهذا ما يعرفه الإيرانيّون أكثر من أيّ شعب آخر، وما يخشاه نظامهم أكثر ممّا يخشاه أيّ نظام آخر. ذاك أنّ الهوى الغربيّ يعصف بأجيال إيران الجديدة أكثر ممّا يعصف بأجيال مماثلة في سائر العالم.

    أمّا محمود أحمدي نجاد فلا يأتينا بوصفه حاملاً عصارة العلم أو المعرفة أو التقنيّة أو حريّة الأمزجة وتعدّد الحساسيّات. إنّه يأتينا بوصفه الحليف السياسيّ لبعضنا، فكيف وأنّ تلخيصنا إلى مجرّد أدوات سياسيّة تقارع الغرب وإسرائيل يُفقرنا على نحو لا يشتهيه المرء لعدوّه!؟.

    وما ينجرّ عن ذلك أنّ السياسة التي تجمعنا بأحمدي نجاد هي نشاط مناهض لكلّ ما عداها ممّا تحمله الحياة وتحتمله. إنّها السياسة بوصفها نقيض الحياة.

    وهذا ما يرسم الإيرانيّة التي يمثّلها أحمدي نجاد عنصراً خارجيّاً يريد بالسياسة المؤسّسة على القوّة أن يغدو داخليّاً. لعن الله هذه السياسة.

    حازم صاغية
    جريدة الحياة
    07.10.2010

    Leave a Reply